المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

إيما هيردمان في فاس: مبشّرة بريطانية بين استقلال النساء والمشروع التبشيري


الاثنين 19 أكتوبر 2026 à 11:35 |




وصلت المبشّرة البروتستانتية إيما هيردمان، المولودة سنة 1844، إلى المغرب سنة 1884، ثم استقرت بعد أربع سنوات في فاس، حيث واصلت نشاطها التبشيري إلى أن توفيت سنة 1899. وبعد رحيلها بعام واحد، خصّها ألبرت أوغسطس آيزكس (1826-1903) بسيرة صدرت في لندن سنة 1900 بعنوان «لمحة سيرية عن الأعمال التبشيرية لإيما هيردمان في إمبراطورية المغرب»، وهي اليوم متاحة في الملك العام.

ويتناول الباحث برنار كوايو هذه التجربة من زاويتين متلازمتين: قدرة نساء الإرساليات على شقّ مسارات تتجاوز الأدوار المرسومة لهن داخل أوساطهن الدينية، وسعيهن في الوقت ذاته إلى تحويل أفراد من مجتمع مسلم إلى المسيحية. وتكمن قيمة هذه القراءة في رفضها اختزال التجربة في أحد الوجهين على حساب الآخر.



استقلال نسائي داخل الأطر الدينية

لا ينفصل حضور هيردمان في الميدان التبشيري، في معالجة كوايو، عن موقعها داخل البيئة البروتستانتية التي خرجت منها. فالسفر إلى بلد بعيد والإقامة فيه سنوات طويلة والاضطلاع بعمل ديني ميداني كانت كلها خيارات تخرج عن التقسيم المألوف لأدوار النساء والرجال في تلك الأوساط. ويندرج ذلك في سياق أوسع؛ إذ تشير الدراسات التاريخية إلى أن النساء أصبحن منذ أواخر القرن التاسع عشر يشكّلن أغلبية العاملين في الإرساليات بالمغرب العربي والشرق الأوسط، وأن هذا التحول غيّر طبيعة العمل التبشيري الذي بات موجّهاً في الغالب إلى النساء، كما غيّر هوية كاتبي أرشيفاته.

وبهذا المعنى، لا يقتصر الاهتمام بهيردمان على انتقالها إلى المغرب، بل يشمل ما يمثله مسارها من هامش استقلال انتزعته امرأة داخل إطار ديني كان يحدّد لها أدواراً بعينها.


الوجه الآخر: غاية التنصير

غير أن قراءة كوايو لا تجعل من تجاوز القيود المرتبطة بالنوع الاجتماعي بديلاً عن النظر إلى الغاية الدينية للنشاط نفسه. فالاستقلال الذي حققته هيردمان كان في خدمة مشروع يقوم على استمالة أفراد من سكان فاس المسلمين إلى اعتناق المسيحية. ومن ثمّ، فإن المسار الذي يبدو من داخل الوسط البروتستانتي تحرراً نسائياً، يبدو من جهة المجتمع المستقبِل نشاطاً دعوياً يستهدف دينه وانتماءه.

ويتيح الجمع بين هذين المستويين فهماً أدق لتاريخ الإرساليات في المغرب، بعيداً عن الصورة التمجيدية التي رسمتها أدبيات الإرساليات نفسها، وعن القراءة التي تختزل نساءها في مجرد أدوات لمشروع أكبر منهن.


«من أوائل الأجنبيات» في فاس: وصف يحتاج إلى تدقيق

تُقدَّم هيردمان أحياناً بوصفها من أوائل الأجنبيات المقيمات في فاس. وقد رسّخت أدبيات الإرساليات هذه الصورة مبكراً؛ فكتاب «أخواتنا المسلمات» الصادر سنة 1907 يذكر أنها ورفيقاتها دخلن فاس وبدأن عملاً طبياً قبل أن يقيم فيها أي قنصل أجنبي، ويقدّم المبشّرات البريطانيات باعتبارهن سبّاقات إلى أماكن لم يكن يُسمح فيها للرجال الأجانب بالإقامة.

لكن هذه الرواية صادرة عن الوسط التبشيري نفسه، ولا يكفي ما هو متاح للجزم بأسبقية مطلقة: فالوصف لا يحدّد الفئات المقصودة بـ«الأجانب»، ولا المعايير التي يقوم عليها ترتيب الأسبقية. ويقتضي اعتماده في مادة تاريخية الرجوع إلى الدراسة الكاملة لكوايو وإلى المصطلحات والتصنيفات التي يستعملها.


فاس «معقل الإسلام»: لغة الدعاية لا لغة المؤرخ

ويشمل التدقيق أيضاً اللغة التي وُصفت بها فاس في الخطاب التبشيري. فتصوير المدينة باعتبارها «معقلاً للإسلام» ينتمي إلى مفردات الدعاية التي روّجت لها الإرساليات لحشد الدعم لعملها، لا إلى توصيف محايد يتبنّاه الباحث. ونقل هذه العبارة يقتضي إبقاءها منسوبة إلى أصحابها، حتى لا يتحول خطاب الفاعلين موضوع الدراسة إلى لغة تقريرية عن المدينة وسكانها.

ما لا تقوله المصادر

تبقى الوقائع الثابتة محصورة في وصول هيردمان سنة 1884، واستقرارها بفاس سنة 1888، واستمرار نشاطها حتى وفاتها سنة 1899. أما السنوات الأربع الفاصلة بين دخولها المغرب واستقرارها في فاس، وأساليب عملها اليومي، وصلاتها بالمؤسسات التبشيرية، واستجابة السكان لها، ومدى أثر نشاطها، فكلها مسائل لا يحسمها ما هو متاح.

ولم يتسنّ لنا الاطلاع على الفصل الكامل الذي نشره كوايو على منصة «كايرن»، إذ يقتصر هذا العرض على المقتطف المتاح منه، وهو ما يجعله تقديماً أولياً لمسار يحتاج إلى مزيد من التوثيق.





المصدر : https://www.soubha.com/news/i/98409798/emma-herdma...



Rss
Twitter
Newsletter