المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

كيف نحمل ما نحب عبر الحدود دون أن يذبل في جيوبنا؟


السبت 17 أكتوبر 2026 à 13:34 |




في قصيدة «الأخضر بن يوسف ومشاغله» التي كتبها سعدي يوسف في بغداد (25/5/1972)، يخرج رجل من جيبه زهرة صغيرة، وينحني، ويهمس لصاحبه بأنه جاء بها عبر أسوار وجدة. الرجل هو «الأخضر بن يوسف»، القرين الذي ابتكره الشاعر قناعاً لصوته، وصاحبه هو الراوي نفسه. الزهرة زهرة آس، وقد خبّأها حاملها، كما يقول، بين جلده وأحذية الحرس الملكي المسمَّرة، بعد أن أُغلق طريق الصخيرات. ثم يقدّمها هدية: صارت ملكاً لصاحبه يفعل بها ما يشاء، إلا شيئاً واحداً، ألا يراها في جيبه ذابلة.

السؤال: ماذا نفعل بما يُحمل إلينا بكلفة؟ وهل تكفي حرية التصرف إذا كان الإهمال هو الخطر الوحيد؟



هدية بلا قيد إلا قيداً واحداً

الهدية في العادة تنقل الملكية كاملة، والقصيدة تبدأ من هذا المعنى: الزهرة «ملك لك الآن». غير أن الشرط الذي يلحقه المتكلم لا يمسّ طريقة الاستعمال، بل المصير. يمكن لمن تسلّمها أن يفعل بها ما يشاء، ما عدا أن يتركها تموت في جيبه. والفرق دقيق: الذبول هنا ليس فعلاً يرتكبه أحد، بل ما يحدث عندما يغيب الفعل. وكأن القصيدة ترى أن من يتلف شيئاً قد يكون أرحم من الذي يتركه يتلف في صمت.

والجيب مكان قريب وحميم، لكنه قد يتحول إلى مكان للنسيان. فما يُصان بقربنا قد يُخنق بقربنا، وما نظنه حماية قد يكون إخفاءً حتى يذبل.


هل الهدية المشروطة هدية؟

قد يعترض معترض بأن هدية يُشترط فيها شيء لا تكون هدية. وقد ذهب مارسيل موس في دراسته الشهيرة عن الهبة إلى أن الهبة نادراً ما تُعطى بلا التزام، وأنها تنشئ عند من يتلقاها دَيناً أخلاقياً: أن يقبل، وأن يردّ. بهذا المعنى، لا يخترع الشرط في القصيدة شيئاً جديداً، بل يقول بصوت مسموع ما تخفيه كل هدية.

وهناك قراءة ثانية أقرب إلى النص: من عبر بالزهرة تحت أحذية الحرس يعرف كم تكلّف النجاة بالأشياء الصغيرة، ولهذا لا يطلب ثمناً، بل يطلب ألا يضيع ما دفع عنه الخطر. الشرط هنا ليس سلطة على المتلقي، بل خوف على الزهرة.


وجدة، وما بعد وجدة

لا يصرّح النص بحدود بعينها، لكن اسم وجدة يكفي ليستدعي الحدود المغربية–الجزائرية، ولا تقف القصيدة عندها: فيها طريق الصخيرات الذي يغلقه الحرس الملكي، وباب سبتة حيث يجلس موظفو الجوازات خلف مكاتبهم، والحسيمة التي تُستعاد كذكرى مشتركة. الحدود في هذا النص ليست خطاً واحداً على الخريطة، بل سلسلة من الأبواب والأختام والأحذية الثقيلة.

وينبغي الحذر من إسقاط الحاضر على القصيدة. فعبارة «ما تزال معارك» أقرب، في تاريخ كتابتها سنة 1972، إلى ذاكرة الحرب بين البلدين سنة 1963، أما إغلاق الحدود البرية القائم اليوم فيعود إلى سنة 1994، أي بعد القصيدة بنحو عقدين. ومع ذلك، لا يحتاج القارئ المغاربي إلى كثير من الشرح ليفهم ما تعنيه صلة تعبر خطاً مغلقاً: قريب لا يُزار، وهدية تصل متأخرة، ومحبة تُنقل بالتحايل.


ما الذي يبقى؟

لا تعطينا القصيدة جواباً، بل تترك مطلباً: أن ما يعبر الحدود، من حب وذاكرة وصلات، لا ينتهي أمره عند الوصول. العبور نصف المهمة، أما نصفها الآخر فأن يبقى ما عبر حياً بعد أن يستقر في أيدينا. وربما كانت أصعب الاختبارات ليست أن ننتزع الأشياء من المنع، بل أن نحسن حملها عندما لا يمنعنا أحد.

ما الشيء الصغير الذي وصلك عبر مسافة أو خطر؟ وهل تحمله اليوم حياً، أم تركته ينسى في جيبك؟




المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98272198/zah...



Rss
Twitter
Newsletter