مساء الأحد، تجلس إلى فقرة كتبتَها قبل ساعة. تقرؤها مرتين، فتشعر أن فيها عيبًا لا تعرف موضعه. المعنى حاضر، والكلمات سليمة، لكن شيئًا ما يتعثّر. تحذف كلمة هنا، وتقدّم عبارة هناك، فلا يتغيّر الإحساس. ثم تضغط زرّ الإدخال بعد كل جملة، فتنقسم الكتلة المصمتة إلى سطور قصيرة متتابعة. وفجأة ترى ما لم تكن تراه: جملتان تقولان الشيء نفسه، وجملة طويلة تحمل ثلاث أفكار دفعة واحدة، وجملة أخيرة لا عمل لها سوى أنها تبدو جميلة.
السؤال
ما الذي يتغيّر في نظرتنا إلى النص إذا غيّرنا شكل كتابته فقط، من دون أن نبدّل كلمة واحدة؟ وهل تُخفي الفقرة، التي تعلّمنا أنها وحدة الفكرة، عيوبَ الجملة أكثر مما تكشفها؟
الفكرة
ينصح الكاتب ديريك سيفرز كل من يكتب بتجربة عادة بسيطة: اكتب كل جملة في سطر مستقل. جملة جديدة؟ اضغط زرّ الإدخال وابدأ سطرًا جديدًا. ويقول إنه يفعل ذلك منذ عشرين عامًا، وإن هذه العادة حسّنت كتابته أكثر من أي شيء آخر. وهو يوضح أن الطريقة للكاتب وحده، وأنها ليست هيئةً للنشر: تكتب هكذا لعينك أنت، ثم تعيد الجمل إلى فقراتها العادية.
ويرى أن فائدتها تأتي من أربعة أمور. الأول أن كل جملة تقف وحدها فتُحاكَم وحدها: هل تؤدي عملًا فعلًا؟ فالجملة التي كانت تختبئ داخل فقرة تبدو الآن بلا مبرر. والثاني أن طول الجمل يظهر للعين، فنكتشف التشابه الرتيب بين الجمل، أو الطول المرهق، أو القِصَر المتتابع المصطنع. والثالث أن نقل الجملة من مكان إلى آخر يصبح سهلًا، كأننا نحرّك قطع بناء بدل أن نقتلع جدارًا كاملًا. والرابع أن أول الجملة وآخرها يبرزان: الأول يدفع القارئ، والأخير يبقى في ذاكرته. ولهذا يدعو إلى حذف الافتتاحيات الرخوة، مثل «أظن أن…».
وفي الطريقة جمال صغير آخر: كل جملة تنال حيّزًا من الفراغ حولها، هو ما يتبقى من السطر بعد انتهائها. وهذا يذكّرنا بما كتبناه في فِكرة عن قيمة الفراغ والتوقف قبل أن نملأ كل شيء بجواب.
الصوت الثاني
غير أن الطريقة لا تخلو من اعتراض. أول التحفظ يأتي من سيفرز نفسه: هي للمسودة لا للنشر، لأن الجمل المنفصلة على الصفحة تتحول بسهولة إلى إيقاع متقطع، يعلن العمق أكثر مما يبني الحجة. وفي تعليقات الصفحة نفسها يروي أحد القراء أنه جرّبها في مقالات قصيرة ثم تركها، لأنه صار يحسّ بالفواصل بين الجمل أكثر مما ينبغي، وبدا له النص أقرب إلى لكمات متتابعة منه إلى رقصة. فربما تنفعنا الطريقة في كشف الجملة الزائدة، وتضرّنا في نسيان الخيط الذي يربط الجمل بعضها ببعض.
السياق العربي
قد يكون هذا السؤال أدقّ عند من يكتب بالعربية. فالنثر العربي كثيرًا ما يُبنى على جمل ممتدة تتصل بالعطف: الواو والفاء وثمّ ولكنّ، وتنمو الفكرة فيها بالتدريج. وتقطيع هذه السلسلة إلى أسطر مستقلة قد يكشف حشوًا، وقد يقطع نَفَسًا. أما الجملة التي «نراها» على الصفحة بحدودها الواضحة فليست قديمة في الكتابة العربية بالقدر الذي نتصوره. فقد دخلت علامات الترقيم بصورتها المعاصرة إلى العربية مع كتاب أحمد زكي باشا «الترقيم وعلاماته في اللغة العربية» عام 1912، بطلب من وزير المعارف المصري آنذاك. أي قبل ما يزيد قليلًا على قرن، وكان القارئ قبلها يعتمد على الأرجح اعتمادًا كبيرًا على فهمه للسياق. وفي المقابل، عرف الشعر العربي منذ قرون وحدةً تُرى على السطر: البيت بشطريه.
فهل تكون «جملة في كل سطر» عودةً إلى حسٍّ قديم بالوقفة، أم استيرادًا لعادة أخرى من لغة تحكمها قواعد مختلفة في بناء الجملة؟ لا جواب جاهزًا، لكن من يكتب مقالًا أو نشرة بالعربية يستطيع أن يجرّبها على نص واحد ويحكم بنفسه.
ما الذي يبقى؟
ربما لا تكمن قيمة الطريقة في الأسطر نفسها، بل في أنها تعلّمنا أن نقرأ نصّنا بعين غير عين كاتبه. الفقرة مريحة لأنها تسترنا، والسطر المنفرد يكشفنا قليلًا. وبعد أن نرى كل شيء، نعيد الجمل إلى فقراتها، لأن القارئ لا يقرأ جملًا مرصوصة، بل حجةً تنمو. تنتهي الأداة عند باب النشر، ويبقى أثرها في ما حذفناه.
ما الجملة التي ستحذفها من آخر نص كتبتَه، لو وضعتَها وحدها على سطر؟
للقراءة
النصّان الأصليان اللذان استند إليهما هذا المقال:
- Writing one sentence per line – Derek Sivers (النص الأصلي، 2022، وتحته تعليقات القراء التي استندنا إلى أحدها في «الصوت الثاني»)
- الترقيم وعلاماته في اللغة العربية – أحمد زكي باشا (النص الأصلي للكتاب الصادر عام 1912، بنسخة مؤسسة هنداوي)
اقرأ أيضًا في فِكرة
إذا شغلتك علاقة الكتابة بالفهم، فقد يهمك مقال واثق أنّك «فهمت»… أم فقط تعودت على الفكرة؟، وفيه اختبار بسيط لما نظن أننا نعرفه، ومقال لماذا نخشى أن نقول: لا أدري؟ عن الفراغ والتوقف قبل الجواب.
ومن شبكتنا: تعرّف إلى بقية المنصات العربية في شبكة المقالاتي.
المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98274657/jum...










