قامت حدائق أكدال والمنارة في مراكش على منظومة مائية دقيقة طورتها المدينة للتعامل مع مناخ جاف وغياب نهر يعبر نسيجها الحضري. ولم تكن البساتين والأحواض الكبرى عناصر تزيينية مستقلة، بل أجزاء من شبكة هندسية تجمع بين جلب المياه الجوفية والمياه المحولة من المجاري القريبة، وتخزينها ثم توزيعها بالجاذبية على الأشجار والقطع الزراعية. وقد أتاح هذا التنظيم قيام حدائق واسعة في بيئة تتطلب اقتصاداً دائماً في استعمال الماء.
ترتكز المنظومة التقليدية أولاً على الخطارات، وهي قنوات أو أنفاق مائية تحت الأرض، تحفر بانحدار محدود يتيح انتقال المياه من مناطق التغذية نحو المدينة دون اعتماد على الضخ الآلي. وتقوم فكرتها على التقاط المياه الجوفية أو تجميعها في باطن الأرض، ثم توجيهها تدريجياً بفعل الجاذبية نحو نقطة الاستعمال. وقد ساعد مرور المياه في باطن الأرض على الحد من تبخرها تحت حرارة مراكش، كما مكن من نقلها لمسافات طويلة نسبياً في منطقة يتسم صيفها بالجفاف وارتفاع درجات الحرارة. وتشير المصادر إلى أن الخطارات كانت من الأدوات الأساسية التي مكنت من إنشاء البساتين المسوّرة في المجال شبه الجاف لمراكش.
ولا تعمل الخطارة منفصلة عن منظومة توزيع مرئية على سطح الأرض تعرف بـالسواقي. فعندما تصل المياه إلى الحدائق أو إلى محيطها، تتفرع عبر قنوات مفتوحة لتصل إلى الأحواض وقطع الغرس المختلفة. وقد ارتبطت هذه السواقي تاريخياً بتحويل جزء من مياه الأودية المنحدرة من الأطلس، عبر منشآت وقنوات تلتقط المياه وتوجهها نحو مراكش. وتورد مصادر عن تراث الماء في المدينة أن الجمع بين المياه السطحية، عبر السواقي، والمياه الجوفية، عبر الخطارات، وفر قاعدة مائية ضرورية لتطوير الحدائق الكبرى وسط شروط مناخية صعبة.
في حدائق أكدال، يؤدي الحوض المركزي الكبير دوراً محورياً في هذه الدورة. فالماء لا يصل مباشرة إلى كل شجرة أو قطعة مزروعة فور دخوله الحديقة، بل يمر عبر حوض للتجميع والتخزين، بما يسمح بتنظيم الإمداد وتوفير احتياطي يمكن استعماله في الفترات التي تقل فيها الموارد. ويعرف أحد الأحواض الرئيسية باسم صهريج المنزه، وقد ارتبط وظيفياً بري البساتين، إلى جانب استعمالات أخرى شملت تزويد المدينة بالماء في فترات تاريخية. كما مكنت الأحواض من ضبط تدفق المياه الواردة من الخطارات والسواقي قبل توجيهها إلى مجالات الغرس.
وتتبع عملية التوزيع داخل الحديقة مبدأ الانحدار الطبيعي للأرض. فتتحرك المياه من القنوات الرئيسية إلى قنوات أصغر، ثم تصل إلى القطع الزراعية والأشجار وفق ترتيب يضمن استفادة أجزاء الحديقة من المورد المتاح. ويعكس هذا التنظيم معرفة عملية بتضاريس سهل الحوز وبالفوارق الدقيقة في المستوى، لأن خللاً بسيطاً في الانحدار قد يؤدي إلى ركود الماء أو سرعة جريانه أو عدم وصوله إلى مناطق بعينها. لذلك لا تقتصر قيمة النظام على وجود القنوات، بل تشمل صيانة مجاريها وتنظيم أدوار السقي والتحكم في نقاط التحويل والتوزيع.
أما في المنارة، فيشكل الحوض الكبير أيضاً مركزاً لتدبير المياه داخل المجال الأخضر المحيط به. وتذكر المصادر أن أحواض المنارة وأكدال كانت، في أصلها، خزانات واسعة تضمن سقي الحدائق وتساعد في تنظيم تدفق مياه الخطارات والسواقي. ويعني ذلك أن الحوض لا يؤدي وظيفة بصرية مرتبطة بصورة الجناح والماء والأشجار، بل يضطلع بدور تقني في التخزين وتوزيع المورد المائي على البساتين، ولا سيما أشجار الزيتون التي تميز محيط المنارة.
وتكشف هذه المنظومة عن تصور متكامل للماء في المدينة التاريخية. فالخطارة تقلل تعرض الماء للشمس أثناء النقل، والساقية توزعه عند الوصول، والحوض يخزن ويضبط التدفق، بينما تستفيد الأشجار والتربة من الماء ضمن دورة تراعي محدودية المورد. وقد سمح هذا الترابط بين البنية التحتية والزراعة والفضاء الأخضر بإنتاج مناخ محلي أكثر اعتدالاً داخل الحدائق، عبر الظل والغطاء النباتي والرطوبة المتصلة بالسقي.
غير أن استمرار هذا الإرث يواجه تحديات مرتبطة بتزايد الطلب الحضري على المياه والضغط المناخي وتراجع الفرشات المائية. وقد عرفت مراكش في القرن العشرين توسعاً في اللجوء إلى المياه الجوفية المحلية مع نمو حاجات المدينة، بعد أن لم تعد بعض موارد الخطارات كافية وحدها لتغطية الاستعمالات المتزايدة. ومن ثم، فإن صون حدائق أكدال والمنارة لا ينفصل عن حماية شبكاتها المائية التاريخية وإدماجها في تدبير معاصر يوازن بين المحافظة على التراث وندرة الماء والحاجات الحضرية المتنامية.
المصدر : https://mrrakch.articlophile.net/mraksh/i/97976551...










