المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

الحدائق التاريخية في مراكش: رصيد أخضر لتلطيف المناخ الحضري


السبت 12 سبتمبر 2026 à 18:20 |




لا تختزل قيمة الحدائق التاريخية في مراكش في بعدها الجمالي أو في مكانتها ضمن الذاكرة العمرانية للمدينة، بل تمتد إلى وظيفة بيئية تزداد أهمية مع اشتداد الحر وتوسع المجال المبني وتراجع المساحات المفتوحة. فحدائق أكدال والمنارة، بما تضمانه من أشجار وبساتين وأحواض مائية ومساحات ترابية ونظم سقي متوارثة، تمثلان جزءاً من البنية المناخية التي ساهمت تاريخياً في تنظيم العلاقة بين المدينة وندرة الماء وحرارة الصيف.



تقع مراكش ضمن مناخ شبه جاف، يتميز بصيف حار وجاف وشتاء معتدل نسبياً، فيما كان متوسط التساقطات السنوية خلال الفترة الممتدة بين 1961 و1990 في حدود 281,3 مليمتراً. وفي هذا السياق، لا يقتصر أثر الغطاء النباتي على تحسين المشهد الحضري، بل يرتبط مباشرة بقدرة الفضاءات الخضراء على توفير الظل وتخفيض حرارة الأسطح ودعم التبريد الناتج عن تبخر المياه والنباتات.


وتظهر دراسات تناولت الجزيرة الحرارية السطحية في مراكش أن توزيع المناطق الخضراء والمجالات المبنية والأراضي العارية يحدد، بدرجات متفاوتة، الفروقات الحرارية بين الأحياء. وقد سجلت إحدى الدراسات فارقاً متوسطاً أقصاه 3,98 درجات مئوية بين درجات حرارة سطح الأرض في مناطق المدينة، كما وجدت ارتباطاً مرتفعاً بين الأراضي العارية وارتفاع الحرارة بلغ 0,86. وتفيد هذه المعطيات بأن المحافظة على الغطاء النباتي لا تتعلق فقط بتوسيع الرقعة الخضراء، بل أيضاً بمنع تحول المجالات غير المبنية إلى أسطح مكشوفة شديدة التسخين.


وتبرز حدائق أكدال والمنارة ضمن هذا المشهد باعتبارهما مجالين تاريخيين واسعين يقعان جنوب المدينة، ويجمعان بين الغرس والماء وشبكات الري. وقد ربطت دراسة مقارنة لتطور حرارة سطح الأرض في مدن مغربية بين الاستقرار النسبي الذي سجلته مراكش خلال العقود الماضية ووجود مساحات خضراء مروية داخل المدينة ومحيطها، من بينها حدائق أكدال والمنارة، إلى جانب فضاءات خضراء أخرى. ولا يعني ذلك أن هذه الحدائق وحدها تحمي المدينة من آثار الاحترار، لكنه يوضح موقعها ضمن منظومة أوسع تساعد على كبح الزيادة الحرارية المحلية.


وتعمل الحديقة التاريخية، من منظور مناخي، عبر أكثر من آلية. فالأشجار الكثيفة تخفف التعرض المباشر للإشعاع الشمسي وتحد من ارتفاع حرارة التربة والممرات الواقعة تحت ظلالها. كما تسهم النباتات والتربة الرطبة والمياه في تبريد محيطها عبر التبخر والنتح، وهي عملية تصبح ذات قيمة خاصة في أيام الصيف الجافة. وتوفر البساتين كذلك انتقالاً تدريجياً بين المناطق المبنية والمجالات المفتوحة، بما يخفف من هيمنة الإسفلت والخرسانة والأسطح العارية التي تخزن الحرارة نهاراً وتعيد إطلاقها لاحقاً.


غير أن أداء هذه الحدائق لا ينفصل عن شروط صيانتها وتدبيرها المائي. فالدراسات المتعلقة بالمساحات الخضراء في أحياء مراكش تشير إلى أن اختيار نباتات قادرة على مقاومة الحرارة يساعد على تقليص الطلب على الماء خلال الفترات الأشد حرارة، مع الحفاظ على الغطاء النباتي ودوره في التبريد التبخري. لذلك تطرح حماية الحدائق التاريخية معادلة دقيقة بين صون تصميمها ونباتاتها ومياهها من جهة، وتكييف أساليب العناية بها مع ضغط الجفاف وتغير المناخ من جهة أخرى.


وتتجاوز المسألة حدود الحدائق الكبرى ذات الشهرة السياحية. فالمنطق الذي جعل أكدال والمنارة فضاءين منتجين للظل والرطوبة والراحة الحرارية يمكن أن يلهم التخطيط داخل الأحياء، عبر ربط الحدائق الصغيرة والساحات المشجرة وأفنية المدارس والممرات المظللة بشبكة حضرية متقاربة. وتؤكد البحوث أن أثر النبات في تخفيف الحرارة يتغير بحسب توزيع المساحات الخضراء وطبيعة التوسع العمراني، وهو ما يجعل تنسيقها داخل النسيج الحضري أكثر أهمية من التعامل معها بوصفها جيوباً متفرقة.


كما يمكن النظر إلى الحدائق التاريخية باعتبارها موارد اجتماعية خلال موجات الحر، شرط أن تتوفر فيها إمكانية الولوج والجلوس والماء والإرشاد، وأن ترتبط بمسارات آمنة ومظللة من الأحياء المجاورة. عندئذ لا تكون الحديقة مجرد موقع تراثي أو فضاء للنزهة، بل جزءاً من قدرة المدينة على حماية سكانها من الإجهاد الحراري، خصوصاً من تقل لديهم إمكانات التبريد داخل السكن.


وتبقى حماية هذا الرصيد الأخضر مرتبطة بسياسات عمرانية أوسع تشمل الحد من تآكل المساحات المزروعة، وتحسين تدبير مياه السقي، وزيادة التشجير الملائم للمناخ المحلي، وتقليص الأسطح المكشوفة في الأحياء الجديدة. فحدائق مراكش التاريخية تقدم نموذجاً متوارثاً في التكيف مع بيئة جافة، غير أن استدامة دورها المناخي تتطلب إدماجها في تصور معاصر للمدينة، يعامل التراث الطبيعي والعمراني باعتباره جزءاً من البنية الأساسية لمواجهة الحرارة.




المصدر : https://mrrakch.articlophile.net/mraksh/i/97976520...



Rss
Twitter
Newsletter