المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

المنبر الإسلامي بين الوظيفة والرمز الروحي العميق


الجمعة 14 أغسطس 2026 à 11:29 |




يحتل المنبر في العمارة الإسلامية موقعاً يتجاوز كونه أداة لإلقاء الخطب، إذ يتداخل فيه البعد الوظيفي مع دلالات رمزية متجذرة في الوعي الديني والتاريخي. ويبرز السطح العلوي الفارغ، الذي يُشار إليه أحياناً بمصطلح "العرش"، بوصفه عنصراً لافتاً في هذا البناء، حيث يرتبط بدلالات تتجاوز الشكل إلى المعنى، وتستحضر حضوراً غير مرئي يرتبط بالمقام النبوي.



تعود جذور هذه الرمزية إلى التجربة الأولى للمنبر في المدينة المنورة، حين كان النبي محمد ﷺ يجلس على الدرجة العليا أثناء الخطبة، كما تذكر مصادر تاريخية مبكرة مثل ما أورده ابن سعد في الطبقات الكبرى. بعد وفاته، اختار الخلفاء الراشدون الابتعاد عن هذا الموضع تحديداً، في سلوك يعكس إدراكاً خاصاً لفرادته؛ إذ جلس أبو بكر الصديق على درجة أدنى، ثم تلاه عمر بن الخطاب في درجة أدنى منها، مما كرس تدرجاً رمزياً داخل بنية المنبر نفسه، وأضفى على الدرجة العليا معنى محفوظاً لا يُمس.


هذا التقليد لم يبق مجرد ممارسة تاريخية، بل تحول إلى قاعدة ضمنية في تصميم المنابر اللاحقة. ففي العديد من النماذج المعمارية، خاصة في مساجد العصور الوسطى، تُترك القمة دائماً دون استخدام، وغالباً ما تُغطى بمظلة خشبية مزخرفة، كما يظهر في نماذج محفوظة ضمن متحف الفن الإسلامي بالقاهرة. هذا الفراغ المقصود لا يعبر عن نقص وظيفي، بل يؤدي دوراً دلالياً يتمثل في استحضار مقام النبوة باعتباره مرتبة لا يمكن أن يشغلها أي خطيب أو إمام.


يتصل هذا المعنى بفكرة أوسع تتعلق بما يمكن تسميته "استمرار الوظيفة النبوية" على مستوى رمزي، حيث يُفهم المنبر بوصفه امتداداً للخطاب الديني الذي بدأ مع الوحي. وجود موضع فارغ في أعلاه يشير إلى أن هذا المقام يظل قائماً في الوجدان الجمعي، حتى في غياب الحضور الجسدي. وبهذا يتحول الفراغ إلى عنصر دلالي يعبر عن الامتلاء الروحي، لا عن الغياب.


كما يفتح هذا العنصر الباب أمام مقارنات مع تقاليد دينية أخرى عرفت مفهوم "العرش غير المشغول"، وهو رمز يشير إلى حضور ميتافيزيقي غير مرئي. ففي بعض التقاليد المسيحية والبوذية، يظهر هذا المفهوم بوصفه تعبيراً عن وجود روحي لا يُجسد مادياً، كما توثقه دراسات مقارنة في تاريخ الأديان منشورة لدى Encyclopaedia Britannica. ورغم اختلاف السياقات، فإن التقاطع يكمن في استخدام الفراغ كوسيلة للإشارة إلى حقيقة تتجاوز الإدراك الحسي.


ضمن المنظور المعماري الإسلامي، يندرج المنبر أيضاً في تصور كوني يعكس تدرجاً بين العوالم. فدرجاته لا تؤدي وظيفة عملية فحسب، بل تمثل انتقالاً رمزياً من المستوى الأرضي إلى مستوى أرفع. في هذا السياق، يصبح الموقع الأعلى، غير المستخدم، بمثابة ذروة هذا التدرج، حيث يُفهم على أنه نقطة اتصال بين المجالين المادي والروحي. هذا التصور يظهر في تحليلات حديثة للعمارة الإسلامية، مثل تلك المنشورة في مجلة Muqarnas المتخصصة، والتي تربط بين العناصر المعمارية والدلالات الكونية في الفضاء الديني.


بناءً على ذلك، يمكن قراءة المنبر باعتباره بنية متعددة الطبقات، تجمع بين الوظيفة والخطاب الرمزي. فالإمام الذي يقف على إحدى درجاته يمارس دوراً تعليمياً وإرشادياً، بينما يظل الموضع الأعلى محفوظاً لدلالة أوسع، تشير إلى مصدر الخطاب ذاته. هذه العلاقة بين الاستخدام والرمز تمنح المنبر بعداً خاصاً داخل المسجد، حيث يتحول إلى وسيط بين النص الديني وتجسيده في الفضاء.


بهذا المعنى، لا يُفهم الفراغ في أعلى المنبر بوصفه غياباً، بل كعنصر مقصود يحمل دلالة الاستمرار والامتداد. إنه حضور من نوع آخر، يتجسد في الوعي والتقليد، ويؤكد أن الرسالة التي انطلقت من هذا الموضع لا تزال قائمة في بعدها الرمزي، حتى مع تغير الأزمنة والسياقات.




المصدر : https://www.soubha.com/news/i/97173895/minbar-symb...



Rss
Twitter
Newsletter