المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

التصوف عند طه عبد الرحمن: من تزكية الذات إلى نقد الحداثة المادية


الجمعة 14 أغسطس 2026 à 13:32 |




التصوف والشريعة: وحدة تكوين الذات

من المرتكزات الأساسية في تصور طه عبد الرحمن رفض الفصل الحاد بين الشريعة والتصوف. فليست الشريعة عنده مجرد منظومة من الأحكام الظاهرة، كما أن التصوف ليس زينة روحية أو ممارسة خاصة بالنخبة؛ بل هما وجهان لمسار واحد غايته تكوين الإنسان.

الشريعة تضبط الفعل وتوجه السلوك، بينما يعمل التصوف على تطهير الباطن وتزكية القصد وتحويل الأخلاق من أوامر خارجية إلى ملكات راسخة. لذلك يمكن القول إن الشريعة والتصوف يشكلان، في هذا التصور، تكنولوجيا متكاملة لبناء الذات: الأولى تمنح الإنسان معياراً عملياً، والثاني يمدّه بالطاقة الداخلية التي تجعل التزامه حياً وحراً ومتصلاً بالمعنى.

لا تتحقق الأخلاق، وفق هذا المنظور، بمجرد الامتثال الظاهري للقواعد. فقد يؤدي الإنسان طقوسه كاملة، لكنه يبقى أسير الكبر أو الرياء أو الشهوة أو التعلق المفرط بالمصلحة. أما السلوك الصوفي فيسعى إلى نقل التدين من مستوى العادة إلى مستوى التحقق، ومن ظاهر الفعل إلى باطنه، ومن الامتثال القسري إلى التخلق الحر.

وهنا يصبح التصوف بلوغاً للنهاية في الأخلاق: فالعبودية ليست إذلالاً للإنسان، بل تحرير له من عبودية الهوى والمال والجاه وصورة الذات المتضخمة. وكلما تحرر الفرد من هذه القيود، اتسعت قدرته على الرحمة والعدل والمسؤولية.



التربية الباطنية في مواجهة الرقابة الخارجية

تقوم الحداثة المعاصرة، في كثير من مؤسساتها، على توسيع أجهزة الضبط والرقابة: كاميرات، بيانات، خوارزميات، تقييمات مستمرة، قياس للإنتاجية، وتتبع للسلوك. ومع أن بعض هذه الأدوات قد تكون نافعة تنظيمياً، فإن الخطر يبدأ حين تصبح الرقابة الخارجية بديلاً عن الضمير الداخلي.

في مقابل هذا النموذج، يبرز التصوف بما يشبه بيداغوجيا باطنية. فهو يربي الإنسان على المراقبة الذاتية، لا خوفاً من عين السلطة أو حكم المجتمع، وإنما استحضاراً لمسؤوليته الأخلاقية ولصلة فعله بالله والناس والعالم. فالإنسان المتخلق لا يحتاج في كل لحظة إلى من يراقبه، لأنه يحمل معيار الرقابة في باطنه.

هذه التربية لا تعني الانغلاق على الذات، بل تعني تحويل الذات إلى مصدر للفعل المسؤول. فبدلاً من أن يسأل المرء: "هل سيكتشف الآخرون ما فعلت؟"، يتعلم أن يسأل: "ماذا يفعل هذا السلوك بإنسانيتي؟ وهل ينسجم مع الأمانة التي أحملها؟"

ومن هنا تظهر أهمية مفهوم العقل المؤيد أو العقل الذوقي عند طه عبد الرحمن. فهذا العقل لا يقتصر على التحليل النظري أو الحساب الأداتي، بل يجمع بين المعرفة والعمل والتجربة والتحول الأخلاقي. إنه عقل لا يكتفي بأن يعرف الخير تعريفاً، بل يسعى إلى التخلق به؛ ولا يختزل الحقيقة في ما يمكن قياسه، بل يفتح المجال لما يُعاش ويُذاق ويُتحقق في التجربة الإنسانية.


نقد العقل المجرد والحداثة الأداتية

لا يعادي طه عبد الرحمن العقل، بل ينتقد صورة مخصوصة منه: العقل المجرد الذي ينفصل عن الأخلاق، ويتحول إلى أداة للسيطرة والتملك والتسخير. فحين تُفصل المعرفة عن المسؤولية، يمكن للإنسان أن يحقق تقدماً هائلاً في التقنية، لكنه قد يستخدمه في الإفساد أو الاستغلال أو تعميق التفاوتات.

الحداثة المادية، في صيغتها المتطرفة، تقيس قيمة الأشياء بما تدره من نفع وسرعة وربح وقابلية للاستهلاك. وفي هذا السياق يتحول الإنسان نفسه إلى مورد: تُقاس قيمته بإنتاجيته، وعدد متابعيه، وقدرته الشرائية، وصورته في السوق، وموقعه في شبكات التأثير.

أما العقل المؤيد، فيرفض اختزال الإنسان في هذه الوظائف. إنه عقل يرى أن المعرفة الحقة ينبغي أن تزيد الإنسان تواضعاً ورحمة ومسؤولية، لا غروراً وتسلطاً. ولذلك فإن التجربة الصوفية لا تلغي الفكر، بل تنقله من عقل يطلب السيطرة إلى عقل يطلب الوصل؛ من عقل يشيّئ العالم إلى عقل يتعامل معه باعتباره أمانة وآية ومعنى.


كونية عرفانية تتجاوز العالمينية المادية

يقدم طه عبد الرحمن تصوراً لكونية بديلة عن "العالمينية" التي تحصر الوجود في بعده المادي والتاريخي. فالكونية الحديثة كثيراً ما تتحدث بلغة الإنسان الكوني، لكنها قد تفترض نموذجاً واحداً للإنسان والعقل والتقدم، وتتعامل مع الاختلافات الروحية والحضارية بوصفها بقايا ينبغي تجاوزها.

أما الكونية المستلهمة من الميراث العرفاني فتقوم على ثلاثية مترابطة: الإنسان والطبيعة والغيب. فلا يُفهم الإنسان بوصفه جسداً منتجاً أو مستهلكاً فقط، ولا تُفهم الطبيعة بوصفها مخزوناً من الموارد، ولا يُقصى الغيب من تفسير المعنى والغاية.

ضمن هذه الرؤية، الإنسان ليس سيداً مطلقاً على الكون، ولا كائناً هامشياً بلا قيمة؛ بل هو كائن مسؤول، يحمل أمانة الاستخلاف. وهذا الاستخلاف لا يمنحه حق الاستنزاف، وإنما يحمّله واجب الرعاية. إنه يرفع الإنسان من مرتبة "الشيء" في السوق إلى مقام المسؤولية الأخلاقية في العالم.

الكونية العرفانية لا تنفي الخصوصيات الدينية والثقافية، لكنها تمنعها من الانغلاق والتحول إلى أدوات كراهية. فهي تنطلق من وحدة الأصل الإنساني، ومن إمكان النظر إلى سائر الخلق بعين المحبة والجمال والرحمة. ومن هنا يمكن أن توفر روحانية الحب أساساً لمواجهة الراديكالية، لأنها ترفض أن يُبنى التدين على احتكار الحقيقة أو إقصاء الآخرين أو ازدراء العالم.


الطبيعة: من مورد للاستهلاك إلى آية للتأمل

تتجلى قوة هذا التصور في علاقته بالطبيعة. فالرؤية المادية الصرفة تميل إلى النظر إلى الطبيعة باعتبارها موضوعاً قابلاً للقياس والسيطرة والاستغلال. ويصبح السؤال المركزي هو: كيف ننتفع منها أكثر؟ وكيف نحولها إلى طاقة وسلع وأرباح؟

لكن التصور الصوفي يضيف إلى الاقتراب العلمي اقتراباً اعتبارياً روحانياً. لا يعني ذلك رفض العلم أو التقنية، بل رفض حصر الطبيعة في وظيفتها النفعية. فالطبيعة ليست مورداً فقط؛ إنها آية، أي علامة تدعو إلى التأمل في المعنى، وتشهد على نظام أوسع من رغبات الإنسان العاجلة.

حين ينظر الإنسان إلى الماء أو الشجرة أو الحيوان أو الجبل بعين الآية، تتغير علاقته بها. لا يعود السؤال: "كيف أستهلكها؟" بل يصبح أيضاً: "ما مسؤوليتي تجاهها؟ وما الذي تكشفه لي عن حدودي وعن حاجتي إلى التواضع؟"

وهذا المنظور يفتح إمكاناً أخلاقياً مهماً في زمن الأزمة البيئية. فالسياسات البيئية لا تنجح بالأنظمة والقوانين وحدها إذا بقيت الرغبة الاستهلاكية بلا حدود. إن حماية الطبيعة تتطلب تربية على القناعة والزهد والاعتدال، أي على إدراك أن كثرة الامتلاك ليست هي الغنى الحقيقي.


أزمة المعنى وتضخم الأنا

يشخص طه عبد الرحمن أزمة الحداثة بوصفها، في أحد أبعادها العميقة، أزمة معنى. فحين يُقصى التعالي من أفق الحياة، قد يبدو الإنسان أكثر تحرراً، لكنه قد يجد نفسه في فراغ روحي: لا غاية تتجاوز المنفعة، ولا معيار أخلاقي يتجاوز الرغبة، ولا قيمة للوجود خارج النجاح المادي.

في هذا الفراغ تتضخم الأنا. فبدلاً من أن يكون الإنسان كائناً متواضعاً ومسؤولاً، يتحول إلى مركز مطلق للكون، ويصبح العقل البشري مرجعاً نهائياً لا يحتاج إلى تصحيح أخلاقي أو روحي. وقد أفضى هذا التضخم، في تجارب تاريخية متعددة، إلى أيديولوجيات تجعل الإنسان وسيلة لمشروعات القوة أو السوق أو الأمة أو التقنية.

التصوف يقترح علاجاً لا يقوم على احتقار الذات، بل على تحريرها من وهم الاكتفاء. فالفناء عن الأنا لا يعني إلغاء الشخصية أو تعطيل الإرادة، بل يعني تجاوز الأنانية التي تجعل الإنسان يدور حول صورته ومصلحته ولذته ومكانته.

وهنا تتضح قيمة الزهد. فالزهد ليس رفضاً للعمل أو المال أو الجمال أو العمران؛ إنما هو ألا يتحول كل ذلك إلى سيد للإنسان. يمكن للمرء أن يستخدم التقنية من دون أن يصبح تابعاً لها، وأن يمتلك المال من دون أن يمتلكه المال، وأن يكون حاضراً في العالم من دون أن يذوب في استهلاكه المتواصل.


التصوف في زمن العبودية الرقمية

تأخذ أزمة المعنى اليوم شكلاً جديداً مع الاقتصاد الرقمي. فالمنصات والخوارزميات لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تنافس على جذب الانتباه وتوجيه الرغبات وتحويل الوقت والبيانات والعواطف إلى قيمة اقتصادية. يصبح الفرد مستهلكاً دائماً، ومنتجاً للبيانات في الوقت نفسه، وقد يفقد تدريجياً قدرته على الصمت والتأمل والتركيز.

في هذا السياق، يمكن استثمار بعض القيم الصوفية بوصفها أدوات للتحرر الرقمي:

  • المراقبة: أن يسأل الفرد نفسه عن دوافع استخدامه للتقنية، وعن أثرها في قلبه وعلاقاته ووقته
  • الخلوة: تخصيص وقت منتظم للانفصال عن التدفق الرقمي، من أجل القراءة والتأمل والصلاة والحوار الحقيقي
  • الذكر: استعادة الحضور الذهني في مقابل التشتت الدائم والتنقل القهري بين الإشعارات
  • الزهد: مقاومة وهم أن كل جديد ضروري، وأن كل رغبة يجب إشباعها فوراً
  • التواضع: مقاومة تحويل الذات إلى علامة تجارية دائمة تبحث عن الإعجاب والظهور

هذه الممارسات لا تدعو إلى الهروب من العالم الرقمي، بل إلى استعادة السيادة على علاقتنا به. فالتقنية ينبغي أن تكون أداة في يد الإنسان، لا أن تتحول إلى قوة تعيد تشكيله من الداخل وفق منطق السوق والانتباه.


الاستعادة النقدية للميراث العرفاني

لا يعني استلهام التصوف العودة إلى صورة متخيلة عن الماضي، ولا تكرار ألفاظ الميراث من دون وعي بأسئلة الحاضر. إن المطلوب هو استعادة نقدية: استخراج ما في التراث العرفاني من طاقات أخلاقية ومعرفية، ثم اختبار قدرتها على مخاطبة أزمات الإنسان المعاصر.

هذه الاستعادة تقتضي التمييز بين التصوف الحي والتصوف الشكلي. فالتصوف الحي يحرر الإنسان من التعصب والأنانية والاستلاب، أما التصوف الشكلي فقد يتحول إلى طقوس منفصلة عن العدل والعمل والمسؤولية. لذلك لا قيمة للخطاب الروحي إذا لم ينعكس في الصدق، وحفظ الكرامة، واحترام الاختلاف، ورعاية الضعفاء، والوفاء بالأمانة.

كما تقتضي هذه الاستعادة أن ينفتح الفكر الإسلامي على الحوار مع أسئلة العصر: الذكاء الاصطناعي، البيئة، الاقتصاد الرقمي، الاستهلاك، العزلة النفسية، العنف الرمزي، وأزمة الثقة. فالميراث لا يصبح حياً إلا حين يقدم أدوات للفهم والعمل، لا حين يبقى موضوعاً للتمجيد.


نحو إنسان خليفة لا مستهلك

في أفق طه عبد الرحمن، يتيح التصوف للإنسان أن يتجاوز ذاته من دون أن يفقد فرديته. إنه يمنحه حرية أعمق من حرية الاختيار الاستهلاكي: حرية التحرر من الأهواء، ومن ضغط الصورة، ومن الخوف من الفقد، ومن الحاجة المستمرة إلى الاعتراف الخارجي.

إنسان التصوف ليس إنساناً منسحباً من الواقع، بل إنسان أكثر حضوراً فيه؛ لأنه يتعامل مع العالم بوصفه مجالاً للأمانة لا مجرد ساحة للغنيمة. وهو لا ينظر إلى الطبيعة بوصفها ملكاً خاصاً، بل بوصفها وديعة؛ ولا يرى الآخرين منافسين دائماً، بل شركاء في الإنسانية؛ ولا يفهم الحرية باعتبارها إطلاقاً للرغبة، بل باعتبارها قدرة على تهذيبها وتوجيهها.

لذلك فإن التصوف، في الرؤية التي يمكن استخلاصها من مشروع طه عبد الرحمن، ليس هامشاً ثقافياً ولا بديلاً عن الفعل الحضاري. إنه مدرسة للإنسان القادر على الجمع بين العقل والأخلاق، والعلم والمعنى، والعمل والتواضع، والخصوصية والانفتاح.

وفي عالم يزداد سرعةً وتشييئاً وتشتتاً، قد يكون السؤال الصوفي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: كيف نمتلك الأشياء من دون أن تمتلكنا؟ وكيف نستفيد من العالم من دون أن نفقد أرواحنا فيه؟




المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/97687728/...



Rss
Twitter
Newsletter