تتبنى منصات الفيديو الكبرى مسارين متوازيين في التعامل مع الذكاء الاصطناعي: تشديد القيود على المحتوى المتكرر ومنخفض الجودة من جهة، وتوسيع أدوات الإنتاج الآلي والصور الرمزية الرقمية من جهة أخرى. وتكشف قرارات يوتيوب وتيك توك خلال صيف 2026 عن مفارقة واضحة: المنصات تريد الحد من طوفان المواد المصنّعة على نطاق واسع، لكنها تواصل في الوقت نفسه تطوير خصائص قد تجعل إنتاج هذا النوع من المحتوى أسرع وأقل كلفة.
أوضحت يوتيوب، منذ 16 يوليو، أن المحتوى غير الأصيل لا ينسجم مع شروط تحقيق الدخل. وتشمل هذه الفئة المواد العامة أو المتكررة أو المبنية على قوالب جاهزة، والمحتوى المصمم للتلاعب العاطفي بالمشاهدين، فضلا عن بعض استخدامات الشخصيات الرقمية المولدة بالذكاء الاصطناعي في الموضوعات الحساسة. ويعكس التعديل محاولة لربط الدخل الإعلاني بمحتوى يحمل جهدا إبداعيا واضحا أو قيمة مضافة للمستخدم، بدلا من مكافأة الإنتاج الكمي القائم على إعادة التدوير والتجميع الآلي.
لكن يوتيوب رفعت، في الوقت نفسه، سقف الوصول إلى تقاسم الإيرادات الإعلانية أمام الوافدين الجدد ابتداء من 1 فبراير 2027. وسيحتاج أصحاب الفيديوهات الطويلة إلى 8 آلاف ساعة مشاهدة عامة خلال الاثني عشر شهرا السابقة، بدلا من 4 آلاف ساعة، فيما ترتفع عتبة مقاطع «شورتس» من 10 ملايين إلى 20 مليون مشاهدة خلال 90 يوما. كما سيصبح الحفاظ على تقاسم إيرادات «شورتس» مشروطا بتحقيق 10 ملايين مشاهدة كل 90 يوما. ولا تشمل هذه العتبات الجديدة من هم بالفعل أعضاء في برنامج شركاء يوتيوب، فيما تبقى عتبة المستوى الأول من البرنامج عند 500 مشترك و3 آلاف ساعة مشاهدة أو 3 ملايين مشاهدة لمقاطع «شورتس» خلال 90 يوما دون تغيير.
وتعني عتبة 20 مليون مشاهدة في ثلاثة أشهر حاجة القناة، في المتوسط، إلى أكثر من 222 ألف مشاهدة يوميا على مقاطع «شورتس». وهي معادلة تزيد الضغط على المبتدئين الذين يسعون إلى تحويل النشر إلى مصدر دخل. وتبرر يوتيوب هذه التعديلات بنمو اقتصاد المبدعين، وبالرغبة في أن تكون العائدات التي يحصل عليها الشركاء ذات معنى يسمح لهم بإعادة الاستثمار في قنواتهم. ويقول أمجد حنيف، المسؤول عن منتجات المبدعين في يوتيوب، إن البرنامج يضم أكثر من ثلاثة ملايين منشئ محتوى، وإن الشركة تتوقع دفع مبالغ أكبر للمبدعين في العام التالي رغم رفع العتبات.
غير أن رفع معايير الانتساب قد يدفع بعض المنشئين إلى مضاعفة الإنتاج سعيا إلى بلوغ الأرقام المطلوبة، وهي بيئة يمكن أن تشجع على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج كميات كبيرة من المقاطع القصيرة. وهنا يظهر التناقض بين استبعاد المواد غير الأصيلة من نظام تحقيق الدخل وبين الاعتماد المتزايد على مؤشرات كمية، مثل عدد المشاهدات وساعات المشاهدة، لتحديد من يستحق الوصول إلى العائدات الإعلانية. فالمعيار الأول يطالب بالتمايز والجودة، بينما يمنح الثاني وزنا حاسما للقدرة على الوصول والتكرار والاستمرارية.
وتواجه تيك توك مفارقة مشابهة، لا سيما في نشاطها التجاري. فقد شددت «تيك توك شوب» في 31 يوليو قواعد الفيديوهات والبث المباشر الترويجي، وطالبت البائعين والمبدعين بمحتوى ديناميكي يتضمن حضورا بشريا وتفاعلا آنيا وعرضا فعليا للمنتج. وتحظر القواعد خلال البث استخدام الأصوات المولدة بالذكاء الاصطناعي أو التسجيلات الصوتية المسبقة، كما تمنع الصور الثابتة أو الشخصيات المتحركة إذا غطت أكثر من نصف الشاشة. ويمكن أن يترتب على المخالفات حذف المحتوى أو تقييد العمولات أو تقييد الحساب أو إزالته.
وتفسر المنصة هذه القيود بالحاجة إلى حماية ثقة المتسوقين، إذ قد تعطي الصور الثابتة أو المعلومات غير المحدثة انطباعا مضللا عن المنتج والسعر وطريقة الاستخدام. كما تطلب من المبدعين إظهار وجوههم، واستخدام صوت واضح، وعرض السلعة من زوايا متعددة، والتفاعل مباشرة مع أسئلة الجمهور. وبذلك تضع تيك توك، في بيئة التسوق، قيمة خاصة للحضور الفعلي وللشرح المباشر وللعلاقة التي يصعب اختزالها في فيديو مركب آليا.
لكن تيك توك تواصل كذلك دمج أدوات لتوليد الإعلانات والمحتوى بالذكاء الاصطناعي، ومنها خاصية «إيه آي كاست» التي تتيح إنشاء نسخة رقمية من المستخدم اعتمادا على بيانات الوجه والصوت. وتطلب المنصة التحقق من الهوية قبل إنشاء «الذات الاصطناعية»، وتوفر إعدادات لتحديد من يستطيع استعمالها، مع إمكانية حذف مقطع أو مسودة يظهر فيها الشخص. إلا أن تجربة نشرتها منصة «ماشابل» أظهرت أن مبدعة عثرت على نسخة مولدة من صورتها تروج لمنتج لم تستخدمه، وقالت إن إعدادات الإتاحة في حسابها كانت موجهة إلى الجميع.
وتتجاوز المسألة جودة المحتوى إلى التحكم في الهوية والصورة الشخصية. فالنسخ الرقمية قد تساعد المبدعين والعلامات التجارية على إنتاج إعلانات بسرعة ومن دون تصوير مشترك، لكنها قد تستخدم أيضا في مشاهد أو توصيات أو سياقات لم يشارك فيها الشخص فعليا. كما أن وجود أدوات لإزالة المحتوى أو لضبط الصلاحيات لا يلغي الحاجة إلى فهم واضح للإعدادات وإلى آليات فعالة للتحقق من الموافقة.
وتضع هذه السياسات صناع المحتوى أمام رسالة مركبة: على المحتوى أن يبدو أصيلا، إنسانيا ومفيدا كي يكون مؤهلا للدخل، لكن النجاح الاقتصادي يبقى مرتبطا بأرقام مشاهدة مرتفعة وبإيقاع نشر مستمر. أما بالنسبة إلى العلامات التجارية، فإن البحث عن المصداقية قد يدفعها إلى تفضيل مبدعين ذوي حضور شخصي ومجتمعات متماسكة، بينما تواصل المنصات نفسها توفير أدوات تتيح محاكاة ذلك الحضور رقميا.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/97954670/youtube-ti...










