المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

هل دخل العالم عصرا ما بعد القراءة العميقة؟


السبت 19 سبتمبر 2026 à 00:02 |




تتزايد المؤشرات التي تدفع إلى التساؤل عما إذا كانت المجتمعات الرقمية تدخل مرحلة تتراجع فيها القراءة العميقة لصالح استهلاك سريع ومتقطع للكلمات والصور والفيديو. فالأفراد لم يتوقفوا عن التعامل مع النصوص، بل ربما يقرأون يوميا كما كبيرا من الرسائل والتنبيهات والتعليقات والعناوين. لكن هذا التوسع في النصوص القصيرة لا يعادل قراءة كتاب أو مقال مطول أو عمل أدبي كامل، وهي ممارسات تتطلب تركيزا مستمرا وقدرة على متابعة الحجة وربط الأفكار واستخلاص المعنى.



في تحقيق نشرته مجلة «ذي أتلانتيك»، ترى الصحفية روز هوروفيتش أن الولايات المتحدة تشهد تآكلا متواصلا في القراءة لأغراض المتعة، وأن هذا المسار لا يقتصر على تراجع مبيعات الكتب أو تبدل أذواق الجمهور، بل يطال مهارات الفهم والتركيب والاستدلال. وتستند في ذلك إلى تصور يعتبر أن العصر الأدبي، الذي ارتبط بالكتاب والصحيفة والنصوص المتصلة، قد يكون مرحلة محدودة تاريخيا بين مجتمعات التواصل الشفهي ومجتمعات الوسائط الرقمية السريعة.


وتظهر بيانات الصندوق الوطني الأميركي للفنون أن أقل من نصف البالغين في الولايات المتحدة، أي 48.5 في المئة، قرأوا كتابا واحدا على الأقل خلال الاثني عشر شهرا السابقة لمسح عام 2022. وكانت النسبة 52.7 في المئة في 2017 و54.6 في المئة في 2012. كما انخفضت نسبة من قرأوا رواية أو قصة قصيرة من 45.2 في المئة عام 2012 إلى 41.8 في المئة عام 2017، ثم إلى 37.6 في المئة عام 2022.


وتتجاوز الظاهرة الأدب إلى ممارسة القراءة اليومية بوجه عام. فاستنادا إلى تحليل شمل 236 ألف إجابة ضمن المسح الأميركي لاستخدام الوقت، انخفضت نسبة الأميركيين الذين يقرأون للمتعة في يوم عادي من 28 في المئة عام 2004 إلى 16 في المئة عام 2023. ويشمل هذا التعريف قراءة الكتب والمجلات والصحف والكتب الإلكترونية، فضلا عن الاستماع إلى الكتب الصوتية. ويشير المسار نفسه إلى تراجع عابر للفئات العمرية والجنس ومستوى التعليم، بما في ذلك المجموعات التي كانت تقليديا الأكثر إقبالا على القراءة، مثل المتقاعدين والنساء وحملة الشهادات الجامعية.


ويبرز التراجع أيضا لدى الأجيال الأصغر سنا. ففي الفترة الممتدة من 1984 إلى 2025، ارتفعت نسبة المراهقين في سن الثالثة عشرة الذين يقولون إنهم نادرا ما يقرأون للمتعة أو لا يقرأونها أبدا، من 8 في المئة إلى 29 في المئة. كما أظهر التحليل ذاته أن 2 في المئة فقط من البالغين كانوا يقرأون لطفل في يوم عادي. وتورد المجلة شهادات من معلمين وأمناء مكتبات تشير إلى أن بعض الأطفال يصلون إلى المدرسة بقدرة أقل على التركيز المطول أو على التعامل مع الحكايات والنصوص الطويلة.


وتظهر المؤشرات الرسمية في المهارات القرائية لدى البالغين اتجاها موازيا، وإن كانت لا تثبت وحدها أن تراجع قراءة الكتب هو السبب المباشر. ففي تقييم الكفاءات الدولية للبالغين لعام 2023، سجل متوسط الأميركيين في القراءة 258 نقطة، بانخفاض 13 نقطة عن عام 2017. وارتفعت نسبة البالغين ذوي الأداء المنخفض، عند المستوى الأول أو دونه، من 19 في المئة إلى 28 في المئة، بينما انخفضت نسبة ذوي الأداء المرتفع من 48 في المئة إلى 44 في المئة. وتفيد المعطيات بأن الولايات المتحدة جاءت عند المتوسط الدولي في القراءة، لكنها سجلت نتائج أدنى من المتوسط في الحساب وحل المشكلات التكيفي.


وتكتسب هذه الأرقام دلالة خاصة حين يتعلق الأمر بفهم النصوص المركبة. فبحسب العرض الوارد في «ذي أتلانتيك»، أصبح قرابة 30 في المئة من البالغين الأميركيين غير قادرين على إعادة صياغة مضمون نص يمتد على صفحات عدة أو استنتاج معانيه، مقابل أقل من 20 في المئة عام 2017. ولا يتعلق الأمر بفك رموز الكلمات أو القراءة التقنية وحدها، بل بالمهارات العليا التي تشمل المقارنة بين الأفكار، واستخلاص الاستنتاجات، والاحتفاظ بخيط الحجة خلال نص طويل.


وتسهم البيئة الرقمية في إعادة تشكيل هذه العادة. فالتنبيهات المتواصلة، والتمرير اللانهائي، والروابط، وتعدد الشاشات، تجعل القراءة على الهاتف تجربة قابلة للانقطاع في أي لحظة. كما أن صعود الفيديوهات القصيرة على تيك توك ويوتيوب شورتس وإنستغرام ريلز يضع المحتوى البصري السريع في مركز اقتصاد الانتباه. ولا يعني ذلك أن الفيديو أو الوسائط الرقمية أقل قيمة في جميع الاستخدامات، لكنها تفرض إيقاعا مختلفا عن القراءة التي تمنح المتلقي قدرة أكبر على التوقف والعودة إلى الفقرة ومراجعة الحجة.


وفي فرنسا، تشير المعطيات المذكورة إلى تراجع مواز في القراءة المنتظمة، كما تواجه المكتبات وتجارة الكتب ضغوطا اقتصادية مرتبطة بانخفاض المبيعات. غير أن الحديث عن عالم «ما بعد أدبي» يحتاج إلى قدر من التحفظ. فالقراءة لم تختف، والكتب الصوتية والكتب الرقمية ونوادي القراءة والمكتبات العامة تظل قنوات فاعلة، كما أن الإحصاءات تختلف باختلاف تعريف القراءة وطريقة قياسها. لكن البيانات الأميركية المتاحة تؤكد أن القراءة المتواصلة، بوصفها ممارسة يومية للتفكير الهادئ والفهم المتعمق، تواجه منافسة متزايدة من أنماط استهلاك أكثر سرعة وتجزئة.




المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/97954717/postlitera...



Rss
Twitter
Newsletter