تفرض الحرارة الصيفية في مراكش، بما تحمله من ضغط على الحياة اليومية داخل الأحياء والمساكن والفضاءات العامة، التفكير في وسائل جماعية للتخفيف من آثارها، لا سيما على كبار السن والأشخاص المعزولين والأسر ذات الموارد المحدودة والعاملين في الهواء الطلق. وفي مدينة ذات مناخ حار وجاف وتوسع عمراني متواصل، لا تبدو المسألة مرتبطة فقط بدرجة الحرارة المسجلة، بل أيضاً بتفاوت القدرة على الاحتماء منها والوصول إلى أماكن أكثر راحة خلال ساعات الذروة.
يمكن أن تشكل الملاذات المناخية أحد المسارات العملية في هذا السياق. وهي فضاءات داخلية أو خارجية تتيح للسكان التخفيف من الإجهاد الحراري مؤقتاً، عبر توفير الظل أو التبريد أو الماء أو الجلوس أو الخدمات الأساسية. ويمكن أن تشمل مكتبات وقاعات عمومية ومراكز ثقافية ودور شباب ومرافق اجتماعية، إلى جانب الحدائق والساحات المشجرة وأفنية المؤسسات التعليمية التي يمكن تهيئتها وفتحها في أوقات محددة. غير أن نجاح هذا التصور لا يتوقف على وجود مبنى مكيّف أو حديقة قائمة، بل يرتبط بوضوح المعلومات، ومجانية الولوج، وسهولة الوصول، ومدى قدرة المكان على استقبال فئات مختلفة في ظروف تحفظ الكرامة والراحة.
وتشير أبحاث حول الجزيرة الحرارية الحضرية في مراكش إلى وجود فروقات في حرارة سطح الأرض بين أحياء المدينة تصل في المتوسط إلى 3,98 درجات مئوية، مع ارتباط قوي بين المساحات العارية وارتفاع درجات الحرارة. وتبرز هذه النتائج أن توزيع الغطاء النباتي، وطبيعة المواد المستعملة في البناء والطرقات، واتساع المساحات غير المظللة، عوامل تؤثر في التباين الحراري داخل المجال الحضري نفسه. كما تؤكد دراسات أخرى أهمية المساحات الخضراء والمائية في الحد من التسخين الحضري، مع التنبيه إلى خصوصية المدن الجافة، حيث يصبح تدبير الماء شرطاً حاسماً لاستدامة التشجير والتبريد الطبيعي.
وفي مراكش، قد يفيد اعتماد منطق الشبكة بدل حصر الاستجابة في مواقع محدودة ومعزولة. فالوصول إلى فضاء بارد بعد قطع مسافة طويلة تحت الشمس لا يقدم فائدة متكاملة لكبار السن أو المصابين بأمراض مزمنة أو من يرافقون أطفالاً. لذلك تبرز الحاجة إلى توزيع هذه الفضاءات على مستوى الأحياء، وربطها بمسارات مشاة مظللة، ونقاط ماء، ووسائل نقل عمومي مناسبة، مع وضع إشارات واضحة تتيح التعرف إليها. وينبغي أن تراعي الخريطة المستقبلية للملاذات اختلاف النسيج العمراني بين المدينة العتيقة والأحياء الحديثة والمناطق الطرفية، بدل اعتماد نموذج موحد لا يلتفت إلى خصائص كل مجال.
ولا ينبغي أن يُفهم الملاذ المناخي بوصفه مجرد قاعة مغلقة تعمل خلال موجة الحر. فوظيفته الاجتماعية قد تكون بالقدر نفسه من الأهمية: مكان للراحة، وتلقي المعلومة الصحية، وشرب الماء، واستخدام المرافق الصحية، وشحن الهاتف، والوصول إلى الإنترنت، وربما توجيه الحالات التي تحتاج إلى خدمات طبية أو اجتماعية. ويكتسب هذا البعد وزناً خاصاً حين يتعلق الأمر بأشخاص يعيشون وحدهم أو في مساكن ضعيفة العزل الحراري أو في أوضاع سكنية غير مستقرة.
وتتصل فعالية هذه الفضاءات أيضاً بقدرة المدينة على الوصول إلى من لا يعرّفون أنفسهم باعتبارهم فئة هشة. فالتعرض للحرارة لا يتوزع بصورة متساوية، كما أن الإحساس بالخطر لا يدفع دائماً إلى طلب المساعدة. ومن ثم، يمكن أن يضطلع القرب الاجتماعي بدور مهم، عبر إشراك جمعيات الأحياء والتجار المحليين والعاملين في المرافق العمومية في نقل المعلومات والانتباه إلى غياب الأشخاص المعتاد رؤيتهم، ضمن آليات منسقة مع الخدمات المختصة.
وتتضمن وثائق مرتبطة بمسار التكيف المناخي في مراكش مقترحات لتطوير فضاءات عمومية أكثر قدرة على الصمود، وإعداد دليل للتخطيط العمراني والمعماري التشاركي، وإنشاء مرصد يربط تغير المناخ بالصحة. كما تشمل برامج قائمة أو مقترحة تأهيل حدائق وفضاءات خضراء وتشجير ساحات المدارس. ويمكن أن توفر هذه المبادرات أرضية ملائمة لإدماج فكرة الملاذات المناخية ضمن سياسة حضرية أوسع، لا باعتبارها حلاً موسمياً منفصلاً، بل جزءاً من شبكة للوقاية والرعاية الحضرية.
غير أن هذه الفضاءات لا يمكن أن تعوض التحولات الهيكلية المطلوبة. فتوسيع الظل، وحماية الأشجار، وتقليص الأسطح الماصّة للحرارة، وتحسين عزل المباني، وتطوير المساحات الخضراء الملائمة لندرة المياه، وإعادة النظر في جودة الفضاء العام، تظل عناصر أساسية في مواجهة الحرارة. فالملاذ المناخي قد يوفر حماية مؤقتة، لكنه يصبح أكثر جدوى حين يندرج في مدينة تقل فيها الحاجة اليومية إلى الهروب من الحر.
المصدر : https://mrrakch.articlophile.net/mraksh/i/97976215...










