يتناول لقاء أجرته منصة كارن. إنفو ضمن سلسلتها الشهرية زمن اللقاء مسيرة الباحث الفرنسي سيريل تاركينيون، أستاذ علم النفس المرضي والسريري في جامعة لورين ومؤسس مركز بيير جانيه ومديره، الذي خصص جزءا كبيرا من أعماله لدراسة علم النفس الصحي والعلاقة بين الجسد والنفس.
يوضح الباحث أن اهتمامه الأول انصب على علم النفس التجريبي، حيث كان يقيس أزمنة الاستجابة في إطار أطروحته الجامعية، غير أنه سرعان ما تبين له أن هذا النوع من العمل يظل بعيدا عن واقع الأفراد، إذ إن الحياة اليومية تتسم بتعدد العوامل المتداخلة لا بثبات المتغيرات كما هو الحال في التجارب المخبرية.
ويشير إلى أن اقترابه من قضايا الصحة الشاملة جاء متأثرا بشخصية جدته التي لم تحظ بتكوين أكاديمي لكنها امتلكت، بحدسها ولغتها الخاصة، قدرة على استيعاب الآخر في تعقيده الكامل.
ويستعرض تاركينيون نشأة علم النفس الصحي الذي أحدثته الجمعية الأمريكية لعلم النفس عام 1979، والذي حول النظر إلى الصحة والمرض من مجرد شأن طبي بحت إلى تجربة إنسانية شاملة تتقاطع فيها أبعاد بيولوجية وسلوكية ونفسية واجتماعية.
غير أنه يرى أن هذه المقاربة ما زالت تغفل بعدين أساسيين، هما تاريخ الفرد الشخصي من جهة، وسياق أوسع يتعلق بصحة الكوكب من جهة أخرى، في إشارة إلى مقاربة الصحة الواحدة التي تربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة.
ويستشهد بدراسة أجرتها إحدى زميلاته في الصحة العامة، جمعت بيانات ضخمة من مصلحة الأرصاد الجوية الفرنسية حول الضغط الجوي والحرارة والرطوبة، وقارنتها بمستويات التلوث واستهلاك الأدوية عبر التراب الفرنسي، لتخلص إلى أن تركز بعض الجسيمات الدقيقة في الغلاف الجوي يرتبط بارتفاع استهلاك مضادات الاكتئاب وأدوية أمراض القلب والسكري والجهاز التنفسي، وهو ما يعكس تأثير هذه الجسيمات على الحالة النفسية وليس فقط على الجهاز التنفسي
يفصل الباحث كذلك مفهوم التجارب السلبية في الطفولة، الذي طوره الطبيب الأمريكي فنسنت فيليتي في تسعينيات القرن الماضي بعدما لاحظ، في عيادته المتخصصة في السمنة، أن كثيرا من مرضاه المصابين باضطرابات في السلوك الغذائي عاشوا أحداثا صعبة في طفولتهم.
وقد طورت منظمة الصحة العالمية لاحقا استبيانا دوليا حول هذه التجارب، تولى فريق تاركينيون التحقق من صيغته الفرنسية قبل نحو ثلاث سنوات. ويشمل هذا الاستبيان أشكال العنف الجسدي والجنسي والنفسي والعاطفي، إضافة إلى الإهمال المادي والعاطفي، والعيش في أجواء غير آمنة كمشاهدة عنف داخل الأسرة أو النشأة مع أحد الوالدين يعاني من اضطراب نفسي أو إدمان أو مرض مزمن، وكذلك انفصال الوالدين والفقر والتنمر المدرسي والإلكتروني.
ويؤكد تاركينيون أن الدراسات تظهر علاقة تراكمية بين عدد هذه التجارب وحدة المشكلات الصحية اللاحقة، إذ ترتفع معدلات زيارة الأطباء ومدد الاستشفاء وظهور الأمراض المزمنة بمعامل يتراوح بين ضعفين وثلاثة أضعاف، فيما تكشف التحليلات التجميعية عن نسب مخاطر مرتفعة تصل أحيانا إلى ستة أضعاف فيما يخص الاكتئاب والاضطرابات المرتبطة بالصدمة، إلى جانب ارتباط واضح بالإدمان على التبغ والكحول والمخدرات واضطرابات الأكل.
ويوضح الباحث أن هذه التجارب تترك بصمات فسيولوجية ملموسة، إذ تزيد من حساسية اللوزة الدماغية المسؤولة عن الاستجابة للتهديد، ما يؤدي إلى التهاب مزمن صامت يرفع لاحقا احتمالات الإصابة بأمراض المناعة الذاتية والسكري والسمنة وأمراض القلب، فضلا عن اضطرابات نفسية كالاكتئاب والقلق والاضطراب ثنائي القطب واضطراب الشخصية الحدية واضطراب ما بعد الصدمة. ويشدد على أن العلاقة بين الصحة الجسدية والنفسية تسير في الاتجاهين معا، وليست علاقة سببية أحادية كما كان يعتقد سابقا.
كما يتطرق تاركينيون إلى مسار العلاج بحركة العين وإعادة المعالجة، الذي قوبل بالتشكيك عند ظهوره في فرنسا مطلع التسعينيات، قبل أن تدرجه منظمة الصحة العالمية ضمن توصياتها لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة، مشددا على أن نجاعة أي أسلوب علاجي تتوقف على قدرة المعالج على تكييفه مع خصوصية كل حالة بدل الاكتفاء بتطبيق بروتوكول جامد.
ويختتم بالحديث عن مركز بيير جانيه الذي أسسه ليجمع بين البحث العلمي والممارسة السريرية والتكوين الجامعي، مستحضرا نظام الاستشارة المعلقة الذي يتيح لمرضى السرطان وعائلاتهم، بفضل تمويل جمعيات خيرية، الاستفادة من استشارات نفسية مجانية.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97994582/t...










