فوزية شرفي ترافع لحرية الضمير
تتناول الفيزيائية والمفكرة التونسية فوزية فريدة شرفي، في كتابها «رسالة إلى حفيدي عن إسلام اليوم»، قضايا الدين والعلم والحرية في المجتمعات المعاصرة، امتدادا لأعمالها السابقة التي انشغلت بعلاقة المعرفة العلمية بالمعتقدات الدينية. والكتاب صادر عن دار أوديل جاكوب في فبراير 2026، ويقع في 216 صفحة. وهو خطاب موجه إلى حفيدها، وهو فتى في الخامسة عشرة من عمره بحسب تقديم الناشر، ومن خلاله إلى الأجيال الصاعدة، ويضع التفكير النقدي والمرجعية العقلانية في صلب مواجهة النزعات المنغلقة.
ويرى عرض نقدي للكتاب أن شرفي تنطلق من مبدأ عالمية العلم، وتربطه بعالمية قيم حقوق الإنسان. ووفق هذا المنظور، لا تُقدَّم المعرفة العلمية باعتبارها مجالا تقنيا منفصلا عن الشأن العام، بل وسيلة تساعد الشباب على بناء استقلالهم الفكري، والخروج من التصورات الضيقة التي قد تحد من قدرة الفرد على الاختيار والتفكير.
وتشدد الكاتبة على أن حرية الضمير لا تستقيم، في تصورها، من دون فصل واضح بين مؤسسات الدولة والمجالات الدينية. ويعرض الكتاب هذا الفصل إطارا ضروريا لضمان الحريات الفردية والجماعية، ولتجاوز أشكال التمييز المرتبطة بالانتماء الديني. كما تدعو إلى أن يحتكم القانون إلى قواعد مدنية مستقلة، بما يكفل مساواة المواطنين ويحمي حقهم في الاعتقاد أو في عدمه.
ولا يقف الكتاب عند المبادئ العامة، بل يستند إلى التاريخ التونسي لتفنيد التصورات التي تختزل هوية البلاد في بعد واحد. فتذكّر شرفي بتعدد المكونات الدينية والثقافية التي عرفتها تونس عبر قرون طويلة، وبحضور اليهود قبل وصول الإسلام، إلى جانب المسيحيين والمسلمين. ويستحضر العرض معالم مثل كنيس جربة وبقايا المعموديات المسيحية شواهد على مسار تاريخي تشكّل عبر التعايش والتنوع.
ومن خلال هذه الذاكرة، تقترح الكاتبة قراءة للانتماء الوطني لا تقوم على الإقصاء، بل على الاعتراف بتاريخ مشترك بين جماعات متعددة. فالدين، في هذا التصور، لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للفصل بين الأفراد، وإنما يمكن أن يُفهم ضمن سياق أوسع من الاحترام المتبادل والمواطنة المتساوية.
ويضع الكتاب نفسه في مواجهة ما تعتبره المؤلفة نزعات معادية للعقل والتعدد، دون أن يحصر نقاشه في البعد الديني وحده. فالمسألة الأساسية هي توفير شروط تتيح للفرد أن يفكر باستقلالية، وأن يختار موقعه الفكري والروحي بعيدا عن الضغط الاجتماعي أو القانوني. ولهذا تمنح شرفي للتعليم والمعرفة دورا مركزيا في بناء مجتمع أقدر على حماية الحريات.
ويخلص العرض إلى أن «رسالة إلى حفيدي عن إسلام اليوم» يقدّم دفاعا عن حرية الفكر والمساواة واحترام الآخر، ويخاطب القراء المهتمين بالكونية والعلمانية والتحرر عبر المعرفة. وفي صياغته الموجهة إلى حفيد، يجمع الكتاب بين البعد الشخصي والأسئلة العامة المتعلقة بمكانة الدين والقانون والعلم في حاضر المجتمعات الإسلامية.
🔗 اقرأ أيضا في سُبْحة
عن علاقة الدين بالشأن الاجتماعي والدولة في المغرب وتونس: جمعيات الإحسان بالمغرب وتونس بين الدين وإدارة الفقر.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/98252835/faouzia-cha...










