يتداول مستخدمون على شبكات التواصل الاجتماعي منشوراً يقدّم نفسه تحذيراً من إيلون ماسك: أمام الناس «ثلاث سنوات على الأكثر» لمواصلة كسب المال عبر بيع وقت عملهم، وبعدها ينتهي نموذج الأجر الذي عرفته البشرية منذ قرنين. ثم يختم المنشور بنصيحة استثمارية: أذكى أصل يمكن امتلاكه اليوم، بحسب زعمه، هو «تدفق دخل يغذيه الذكاء الاصطناعي»، وهو أفضل من البيتكوين ومن الأراضي.
تتبّعنا التصريحات المنشورة لماسك حول مستقبل العمل، فوجدنا أن الرجل قدّم فعلاً توقعات جريئة عن الذكاء الاصطناعي والروبوتات، لكن أياً منها لا يتضمن مهلة الثلاث سنوات، ولا التوصية المالية التي يختم بها المنشور.
ما الذي قاله ماسك فعلاً؟
في منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي في واشنطن يوم 19 نونبر 2025، سُئل ماسك عن الأثر البعيد للذكاء الاصطناعي والروبوتات على سوق العمل، فقال إنه لا يعرف بالضبط ما المقصود بـ«المدى البعيد»، وقد يكون عشر سنوات أو عشرين، لكن توقعه أن يصبح العمل «اختيارياً». وشبّه ذلك بزراعة الخضر في حديقة البيت: يمكنك شراؤها من المتجر، لكن بعض الناس يزرعونها لأنهم يحبون ذلك. وأضاف أن الوصول إلى تلك المرحلة يتطلب عملاً كثيراً.
أما المقطع المصوَّر الذي يُعاد تداوله مرفقاً بالمنشور، فمصدره مقابلة أجرتها مجلة «فوربس» مع ماسك في ماي 2026. ويتوقع فيه أن يتجاوز الذكاء الرقمي مجموع ذكاء البشر خلال نحو خمس سنوات، وأن يبلغ عدد الروبوتات البشرية الشكل مئة مليون على الأقل في المدة نفسها، وربما مليار، وأن يتضاعف حجم الاقتصاد خلال خمس إلى سبع سنوات. ولا يرد في المقطع أي حديث عن مهلة ثلاث سنوات للعمل المأجور.
وكرّر ماسك توقّع السنوات الخمس في مناسبات أخرى، منها أول مشاركة له في منتدى دافوس في يناير 2026، حيث قال إن الذكاء الاصطناعي سيتجاوز الذكاء الجماعي للبشرية خلال خمس سنوات، وإن عدد الروبوتات سيفوق يوماً عدد البشر. وهي كلها توقعات شخصية لرجل أعمال يقود شركات تستثمر بكثافة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات، لا جدولاً زمنياً متفقاً عليه لاختفاء الوظائف.
من أين جاءت «السنوات الثلاث»؟
لم نعثر، في التصريحات والمقابلات الموثقة التي راجعناها، على أي عبارة لماسك تحدّد «ثلاث سنوات» مهلةً لنهاية العمل المأجور، ولا على أي توصية منه بشأن «تدفق دخل آلي» يتفوق على البيتكوين والعقار. وفي غياب تسجيل أو نص أصلي يثبت هاتين العبارتين، لا يصحّ نسبتهما إليه.
ويبدو أن المنشور ضغط آفاقاً زمنية تمتد من خمس سنوات إلى عشرين سنة في مهلة واحدة قصيرة، وحوّل توقعاً عن قدرات الآلات إلى حكم فوري بانتهاء قيمة العمل البشري، ثم وظّف اسم ماسك غطاءً لوعد مالي لا علاقة له بكلامه.
ماذا تقول الدراسات عن الوظائف؟
تقدّم الدراسة المشتركة بين منظمة العمل الدولية والمعهد الوطني البولندي للبحوث (NASK)، الصادرة في 20 ماي 2025، صورة أكثر رصانة. فهي تقدّر أن نحو ربع الوظائف في العالم (25 في المئة) تقع ضمن مهن معرّضة بدرجة ما للذكاء الاصطناعي التوليدي، وترتفع النسبة إلى 34 في المئة في البلدان المرتفعة الدخل.
لكن الدراسة تشدد على أن هذه الأرقام تقيس «التعرّض المحتمل» لا فقدان الوظائف فعلياً، وأن التحوّل في طبيعة المهام هو النتيجة الأرجح، لا الاستبدال الكامل، لأن كثيراً من المهام، حتى وإن أُنجزت بكفاءة أكبر، تظل بحاجة إلى تدخل بشري. وتلاحظ في المقابل ارتفاع تعرّض بعض المهن الرقمية المعرفية، ومنها مهن مرتبطة بالإعلام والبرمجيات والمالية.
وهذا ما يلتقي مع قراءات أخرى تميّز بين أتمتة المهام وبقاء جوهر الوظائف، ومع النقاش حول المهن الجديدة التي يولّدها اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
لماذا يشبه المنشور إعلاناً ترويجياً؟
بعيداً عن الحكم على نوايا كاتبه، تكشف بنية المنشور عن عناصر مألوفة في الخطاب الترويجي: استعارة سلطة اسم شهير («إيلون ماسك يحذّر»)، وفرض إحساس بالاستعجال («ثلاث سنوات على الأكثر»)، وتقسيم الناس إلى سبّاقين يتكيّفون ومتأخرين «سيصلون بعد فوات الأوان»، ثم تقديم حلّ مثالي يدرّ المال أثناء النوم، مع مقارنة مالية قاطعة بالبيتكوين والعقار من دون أي رقم.
والقفزة المنطقية واضحة: حتى لو غيّر الذكاء الاصطناعي سوق العمل تغييراً عميقاً، فإن ذلك لا يثبت أن أي «دخل يغذيه الذكاء الاصطناعي» سيكون مربحاً، ولا أنه سيتفوق على أصول أخرى. فالمنشور لا يحدد منتجاً ولا كلفة ولا مخاطر ولا نتيجة يمكن التحقق منها.
توقّع إيلون ماسك فعلاً أن يجعل الذكاء الاصطناعي والروبوتات العمل «اختيارياً» على المدى البعيد، في أفق قدّره بعشر إلى عشرين سنة، كما توقّع تفوّق الذكاء الرقمي على مجموع الذكاء البشري خلال نحو خمس سنوات. أما مهلة «الثلاث سنوات» والتوصية بدخل آلي «أفضل من البيتكوين والأراضي»، فلا أثر لهما في تصريحاته الموثقة، ولا ينبغي تداولهما على أنهما من كلامه.
📌 اقرأ أيضاً في «الخبر»:
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/98338812/musk-three...










