في حوار ضمن بودكاست Radio Atlantic المرافق لبيانه الأخير حول "عصر الذكاء الاصطناعي المضطرب"، فصّل مؤسس مايكروسوفت السابق أوجه اختلاف هذه التقنية بنيويًا عن الابتكارات الماضية. فتاريخيًا، اتّبعت قطائع كبرى كالمعالج الدقيق والحاسوب الشخصي والإنترنت دورة تبنٍّ طويلة امتدت عقودًا، أتاحت للأسواق وقتًا للتكيّف واستلزمت مهارات محددة، وولّدت في المحصلة مكاسب صافية في فرص العمل.
ويعتبر غيتس أن الاعتماد على الماضي مضلّل هذه المرة، لأن الذكاء الاصطناعي لا يكمّل عمل الإنسان بل يحلّ محله في وظائف معرفية متعددة. ويحدد ثلاثة عوامل تجعل هذه الموجة التكنولوجية استثنائية: أولًا، طابعها المعرفي الشامل، إذ لا يقتصر تأثيرها على مهارة بعينها كالزراعة الآلية أو الحساب، بل يتجاوز القدرات البشرية في مجمل الميادين الذهنية. ثانيًا، تسارع تقاربها مع الروبوتات الشبيهة بالإنسان، حيث يهدد الاقتران السريع بين نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة والروبوتات منخفضة الكلفة كلًا من الوظائف المكتبية واليدوية في آن واحد. ثالثًا، سرعة التبنّي الفورية، فخلافًا للحاسوب الشخصي الذي تطلّب اقتناء عتاد جديد وتعلّم لغات برمجة، يعمل الذكاء الاصطناعي على البنية التحتية القائمة ويتواصل باللغة الطبيعية.
هذه القناعة دفعت غيتس إلى تشديد موقفه، منتقلًا من تفاؤل تقني معتدل إلى دعوة عاجلة للتنظيم، بحسب ما نقلته مجلة Forbes. فبينما اكتفت الثورات الصناعية والمعلوماتية السابقة بتعويض القوة البدنية أو الحساب المتخصص عبر عقود من الزمن، وحققت في النهاية إضافة صافية لفرص العمل عبر التكوين المستمر وإعادة التأهيل التدريجي، يحذّر غيتس من أن الذكاء الاصطناعي يستبدل القدرات المعرفية والحركية على نطاق واسع وبوتيرة مباشرة دون احتكاك تقني أو مادي يُذكر، ما يحمل خطر تدمير صافٍ للوظائف قد لا يُعوَّض. ولمواجهة ذلك، يقترح تدابير من قبيل فرض ضرائب على وحدات الحوسبة والروبوتات، وتخصيص حصص من الوظائف للبشر. ويحذّر غيتس من غياب خطة انتقالية عالمية، معتبرًا أنه بدون تدخل سياسي موجّه، قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى عامل لتعميق التفاوت وزعزعة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي على نحو غير مسبوق.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...










