المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

الكمالية المفرطة وإرهاق السعي الدائم إلى الإتقان


السبت 5 سبتمبر 2026 à 11:26 |




يميل بعض الأشخاص إلى تقديم أفضل ما لديهم في كل ظرف، سواء في علاقتهم بأنفسهم أو بمن حولهم. وقد يظهرون بمظهر الأصدقاء المتاحين دائماً للمساعدة، أو العاملين الذين لا يقبلون بالتقصير، أو الأشخاص الذين يضعون رضا الآخرين في مقدمة أولوياتهم. غير أن هذا السلوك، رغم ما قد يبدو عليه من حرص ومسؤولية، يمكن أن يتحول إلى مصدر متواصل للإرهاق والضغط النفسي.



ترى أنجيلا جابر، المتخصصة في تنظيم الجهاز العصبي ومبتكرة مفهوم الذكاء العصبي-الجسدي، أن الكمالية لا ترتبط دائماً بالرغبة البسيطة في جودة الأداء. فخلف السعي المستمر إلى إنجاز كل شيء بلا أخطاء قد يعمل جهاز عصبي لا يشعر بالأمان الكافي. ووفق هذا التصور، يصبح الإتقان وسيلة لإثبات القبول والشرعية، بدلاً من كونه اختياراً حراً لتحسين العمل أو الحياة اليومية.


وتصف جابر هذا النمط بما يشبه ديناً جسدياً وعلاقياً، يدفع صاحبه إلى البقاء في حالة تأهب من أجل تجنب الخطأ أو خيبة الأمل أو الرفض. ويجد الشخص الكمالي صعوبة في الانفصال عن فكرة الإنتاج المستمر، حتى بعد تحقيق إنجازات ملموسة. فالنجاح لا يمنحه بالضرورة شعوراً بالرضا، بل قد يصبح محطة عابرة تليها مطالب جديدة يفرضها على نفسه.


وتشير مقالة نُشرت في موقع Psychologies.com إلى أن هؤلاء الأشخاص قد يجدون صعوبة خاصة في تقبل الفراغ أو الهدوء أو فترات عدم النشاط. وفي بعض الحالات، قد يفضلون الانشغال المرهق أو السلوك الذي يعرقل راحتهم الذاتية على مواجهة السكون. ويرتبط ذلك، بحسب جابر، باستمرار نشاط الجهاز العصبي بدرجة مرتفعة، ما يحد من إمكانية الحصول على راحة جسدية ونفسية فعلية.


ومع مرور الوقت، قد تترتب على هذه اليقظة الدائمة كلفة كبيرة. فالجسم والعقل اللذان يظلان في حالة استنفار لا يستطيعان المحافظة على الوتيرة نفسها إلى ما لا نهاية. وتذكر جابر أن هذا المسار قد يقود إلى الإنهاك، أو فقدان الإحساس بالمعنى، أو انقطاع الصلة بالإشارات الجسدية والمشاعر الداخلية.


ويربط مختصون في علم النفس هذا النوع من السلوك، في كثير من الحالات، بتجارب مبكرة من انعدام الأمان العاطفي. فعندما ينشأ الفرد وهو يعتقد أن الأمان أو القبول مرتبطان بما ينجزه، لا بما هو عليه، قد يتعلم أن الكمال هو السبيل الوحيد لتفادي الرفض. وبذلك تتحول الكمالية إلى آلية دفاعية متجذرة، لا إلى مجرد سمة في الشخصية أو رغبة في التنظيم.


ولا يعني ذلك أن كل اهتمام بالتفاصيل أو كل طموح مهني يعكس بالضرورة مشكلة نفسية. لكن الفارق يظهر حين يصبح الأداء الجيد شرطاً للشعور بالقيمة الذاتية، أو حين يستحيل التوقف والراحة مصدر قلق، أو عندما يترافق أي خطأ بسيط مع لوم داخلي شديد.


وتقترح جابر أن يبدأ التعامل مع هذه الحالة بالعمل على تقدير الذات، مع إمكان الاستعانة بمعالج مختص. كما تبرز أهمية الممارسات الجسدية التي تساعد الفرد على ملاحظة إشارات جسمه ومشاعره، وفهم حاجته الفعلية إلى الراحة، وتنظيم الانفعالات بدلاً من كبتها. ويشير أمير ليفين، مؤلف كتاب «سيكيور»، إلى أن العلاقات الموثوقة والآمنة يمكن أن تسهم في بناء شعور داخلي بالأمان، يمكن تنميته تدريجياً. ويقوم هذا المسار على إدراك أن القبول والراحة لا ينبغي أن يكونا مكافأة مشروطة بالكمال.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97853447/p...



Rss
Twitter
Newsletter