المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

هل مشكلاتنا الكبرى ليست اقتصادية؟


الجمعة 4 سبتمبر 2026 à 18:57 |




لم يعد خافيا أن الأمريكيين غير راضين عن مسار بلادهم؛ فالثقة في اتجاه البلد تراجعت بشدة في عهد الرئيس السابق جورج بوش ولم تتعاف منذ ذلك الحين. لكن اللافت في السنوات الأخيرة هو تزايد استياء الأمريكيين من حياتهم الشخصية أيضا، بحسب الكاتب الاقتصادي نوح سميث. فاستطلاعات السعادة تُظهر شعبا يزداد إحباطا، ومعدلات الانتحار في ارتفاع بطيء، فيما تسجل مؤشرات ثقة المستهلك تراجعا لافتا، رغم سوق عمل قوي نسبيا وتضخم منخفض نسبيا ونمو اقتصادي مقبول.



وبالنسبة للمثقفين والمعلقين، وكثير من خبراء السياسات والأكاديميين، بل وحتى كثير من السياسيين، يتمحور السؤال حول كيفية جعل الأمريكيين أكثر سعادة، وغالبا ما تكون الإجابات اقتصادية: أفكار لسياسات تحسّن الرفاه المادي للسكان عموما أو لشريحة منهم. وهذا الميل مشترك بين الطرفين: فعلى اليسار، تبنى الوسطيون حركة «الوفرة» التي تقوم على منح الأمريكيين المزيد من السلع والخدمات، من السكن إلى الكهرباء والرعاية الصحية، بينما يتبنى التقدميون واليساريون فكرة «ميديكير للجميع». وعلى اليمين، بُررت أجندة ترامب التجارية عادة بأنها ستعيد وظائف صناعية جيدة للطبقة العاملة الأمريكية، بل إن تقييد الهجرة نفسه يُصاغ عادة بلغة اقتصادية، إذ يزعم أنصار حركة «ماغا» أن الترحيل الجماعي سيفتح فرص عمل للأمريكيين ويخفض أسعار السكن.


ويشير سميث إلى مقال الكاتب جاي كاسبيان كانغ بعنوان «اشتراكيو سوبارو والخيبة الكبرى»، الذي يقسّم الناخبين الشباب المتعلمين الغاضبين الذين يشكلون قاعدة الحزب الديمقراطي إلى فئتين: جيل الألفية الغاضب من الصفقة الاقتصادية القاسية التي تلقاها خلال الركود الكبير وبعده، وجيل زد الغاضب من جائحة كورونا والحرب في غزة. ويصف كانغ الفئة الأولى بـ«اشتراكيي سوبارو»، وهم خريجو جامعات من جيل الألفية في الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات، ممن يحصلون على دخل ثابت نسبيا لكنه أقل مما كانوا يتوقعونه، وقد تشكلت مواقفهم السياسية عبر الركود الكبير وحركة «احتلوا وول ستريت» والارتفاع المستمر لأسعار السكن في المناطق الحضرية.


ولفترة طويلة، تبنى سميث إلى حد كبير الرواية القائلة إن جزءا من اضطرابات العقد الثاني من الألفية يعود إلى غضب جيل الألفية الذي تضرر من الركود الكبير. لكنه يقول إنه بدأ يشكك في هذه الرواية مع الوقت، خصوصا مع تحسن الأوضاع الاقتصادية لهذا الجيل. ويستشهد بدراسة أعدها الباحثان كورنث ولاريمور عام 2026، وجدا فيها أن جيل الألفية سجل دخلا أسريا وسيطا حقيقيا أعلى بنسبة 20 بالمئة من الجيل السابق، وهو تباطؤ مقارنة بجيل الصمت (36 بالمئة) وجيل الطفرة السكانية (26 بالمئة)، لكنه مماثل لجيل إكس (16 بالمئة). كما أن مكاسب الدخل مدى الحياة لهذه الأجيال الشابة تفوق كلفة تعليمها الأعلى، بحسب الدراسة نفسها. وبحلول منتصف الثلاثينيات من العمر، كان دخل جيل الألفية من السوق أعلى من دخل جيل إكس أو جيل الطفرة السكانية، حتى بعد احتساب تكلفة المعيشة، كما لحقوا بهما من حيث الثروة.


وعلى الجانب الآخر من الطيف السياسي، يلاحظ سميث أن السياسات الاقتصادية التي أطلقها الرئيس ترامب لم تفد الفئات التي زُعم أنها موجهة لخدمتها؛ فقد تراجع التوظيف في قطاع التصنيع منذ توليه منصبه وفرضه رسوما جمركية واسعة، ولم تعد الوظائف الصناعية كما وُعد بها. كما فشلت سياسات الترحيل الجماعي وشبه توقف الهجرة الصافية إلى الولايات المتحدة في رفع معدلات توظيف الأمريكيين المولودين محليا، بل تراجعت هذه المعدلات إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من أربع سنوات. ومع ذلك، ظلت قاعدة ترامب الانتخابية متمسكة به رغم تراجع نسب التأييد وغضب الناخبين من التضخم تحديدا، وهو ما يوحي، بحسب سميث، بأن الاقتصاد لم يكن الهاجس الأول لهذه القاعدة.


ويذكّر سميث بنقاش سابق دار بين علماء السياسة والاقتصاد حول ما إذا كان فوز ترامب في انتخابات 2016 راجعا إلى «القلق الاقتصادي» أم إلى قضايا اجتماعية وثقافية، وهو نقاش يقول إن فرضية «القلق الاقتصادي» خسرته في نهاية المطاف؛ إذ تشير دراسة مارغاليت لعام 2019 إلى أن حصة الدعم الشعبوي التي يفسرها انعدام الأمن الاقتصادي متواضعة، وأن قلق الناخبين إزاء الهجرة، وهو قضية محورية لكثير من الأحزاب الشعبوية، لا يتأثر إلا بشكل هامشي بتداعياتها الاقتصادية الفعلية أو المتصورة. كما يستشهد سميث بأبحاث المحلل السياسي ديفيد شور، التي وجدت أن قضايا مثل مكافحة عدم المساواة في الدخل ومواجهة تغير المناخ تحظى باهتمام أكبر لدى موظفي وناشطي الحزب الديمقراطي منها لدى الناخبين المتأرجحين، الذين يهتمون أكثر بقضايا مثل الحرب والتضخم.


أما بالنسبة لجيل زد، فيصفهم كانغ في مقاله بأنهم أقل اهتماما بالاقتصاد من اهتمامهم بالحرب في غزة، التي يعتبرها كثير من الديمقراطيين الشباب اختبارا أخلاقيا لأي سياسي يطلب أصواتهم، إذ تعتقد نسبة كبيرة منهم أن أموال الضرائب التي يدفعونها تمول ما يصفونه بـ«إبادة جماعية»، بحسب ما ينقله كانغ. ويلاحظ سميث أن كثيرا من الناشطين الملتزمين في صفوف اليسار الأمريكي أصبحوا في الواقع أقل ارتباطا بالهموم المادية، مستشهدا بحالات لناشطين شباب من عائلات ثرية يتصدرون تنظيمات اشتراكية، ما يوحي بأن «خيبتهم»، إن وُجدت، لا علاقة كبيرة لها بمستوى معيشتهم المادي.


ويخلص سميث إلى أنه بات، على مدى العقد الماضي، أكثر تشككا في قدرة السياسات والبرامج الاقتصادية على معالجة الهموم الحقيقية لمن يقودون السياسة الأمريكية اليوم. فرغم أن التضخم تراجع من 9 بالمئة في صيف 2022 إلى 3 بالمئة فقط في صيف 2023، فإن الناخبين عاقبوا الديمقراطيين في انتخابات 2024، ورغم أن التضخم في عهد ترامب الحالي لم يقترب من مستويات 2022، فإن الناخبين ما زالوا يعبّرون عن غضب شديد منه بسبب التضخم. ومع سوق عمل قوية وتضخم منخفض نسبيا ونمو اقتصادي جيد، عجز المحللون عن تفسير تراجع مؤشرات ثقة المستهلك إلى مستويات قياسية متدنية، فلجأوا إلى الحديث عن «الأجواء العامة» بوصفها تسمية أخرى لجهلهم بالسبب الحقيقي.


ولذلك يدعو سميث إلى التفكير فيما إذا كانت مشكلاتنا الاجتماعية الرئيسية مرتبطة أصلا بالندرة المادية. فالغالبية العظمى من الأمريكيين باتت تملك، إضافة إلى الضروريات الأساسية، درجة من الأمان الاقتصادي لم يكن أسلافهم قبل قرن ليتخيلوها، وقد يكون كثير منهم قد صعدوا إلى الدرجات العليا من هرم ماسلو للحاجات، بحيث لم يعودوا يفكرون في مصدر وجبتهم القادمة أو كيفية الادخار للتقاعد، بل في كيفية الشعور بالانتماء إلى مجتمعهم أو الحصول على مزيد من المكانة والاحترام. ويرى سميث أن علم الاقتصاد وخطاب السياسات المعتاد غير مهيأين للتعامل مع قضايا مثل الانتماء والمكانة الاجتماعية والاحترام، لأنها لا تخضع لمنطق السوق، وقد يتطلب بعضها أن يخسر طرف مكانته كي يكسبها طرف آخر. ويختم بأنه إذا كان التحدي الأكبر للقرن العشرين هو توفير الرخاء المادي على نطاق واسع، فإن التحدي الأكبر للقرن الحادي والعشرين قد يكون جعل الجميع يشعرون بمكانة عالية في الوقت نفسه، أو على الأقل بناء عالم لا تؤدي فيه فوارق المكانة إلى استياء جماعي.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97844437/h...



Rss
Twitter
Newsletter