لم يكن اهتمام السينما بالدين وليد اليوم، بل هو قديم قدم الفن السابع نفسه. فبحسب دائرة معارف الأديان، شهد العقد الأول من عمر السينما، إثر عرض الأخوين لوميير الشهير سنة 1895، ما لا يقل عن ست نسخ سينمائية لحياة السيد المسيح وآلامه، من بينها أعمال لتوماس إديسون ولوي لوميير نفسه. واستمرت شخصية المسيح لاحقًا مادة خصبة لمخرجين كبار مثل سيسيل ب. دوميل ومارتن سكورسيزي وميل غيبسون، رغم أن الأديان الأخرى وشخصياتها الروحية حضرت هي أيضًا بانتظام على الشاشة حول العالم.
وقد بلور الباحثون في العقود الأخيرة ثلاث مقاربات رئيسية لفهم هذه العلاقة. الأولى تُعنى بـ"الدين داخل الفيلم"، أي تحليل المضامين والشخصيات والحبكات ذات البعد الديني، وهي أكثر المقاربات شيوعًا نظرًا لقربها من المنهج النصي السائد في الدراسات الدينية. أما الثانية فتتناول "الفيلم بوصفه دينًا"، وتنطلق من فكرة أن الشكل الفني للسينما نفسه، بأسلوبه ومونتاجه وإيقاعه، قد يُحدث تجربة أقرب إلى التعالي الروحي، كما بيّن الناقد بول شرايدر في دراسته لأفلام أوزو وبريسون ودراير. وتُعنى المقاربة الثالثة بـ"تجربة المشاهدة كطقس"، حيث تتحول قاعة السينما أحيانًا إلى فضاء شبه احتفالي، كما يحدث في العروض الليلية المتكررة لأفلام عبادية أو في المشاهدات العائلية الموسمية لأفلام معينة.
وتتجاوز هذه العلاقة الحدود الجغرافية والثقافية بوضوح. ففي مصر، التي وُصفت بـ"هوليوود العالم العربي"، لفت فيلم "المصير" ليوسف شاهين، الذي يدور في الأندلس الإسلامية في القرن الثاني عشر، أنظار مهرجان كان سنة 1997. وفي إيران، عالجت أفلام مخرجين مثل عباس كيارستمي ومحسن مخملباف الحياة اليومية في ظل الرقابة بأسلوب رمزي عميق الصلة بالرؤية الإسلامية الفارسية. كما تناولت سينما شرق آسيا موضوعات الزن البوذي والروحانيات المحلية، بينما عكست السينما الإفريقية والأمريكية اللاتينية التوترات بين المعتقدات التقليدية والديانات الوافدة في سياق ما بعد الاستعمار.
وتتجه دراسات "السينما والدين" اليوم نحو أفق جديد، يتمثل في تجاوز المركزية الهوليوودية والمسيحية اللتين هيمنتا على هذا الحقل طيلة عقود، والانفتاح على تنوع التجارب الدينية والروحية كما تعكسها سينمات آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي. فما تزال السينما، بحسب هذا الطرح، وسيلة متجددة لطرح أسئلة المعنى والمقدّس، بقدر ما تظل مرآة لتعدد الرؤى الدينية والثقافية حول العالم.
المصدر : https://nour.soubha.com/articles/i/97682617/alsynm...










