تواجه التغطية الإعلامية للشأن الديني تحولات ملحوظة مع تصاعد الاعتماد على مؤشرات الأداء الرقمية، وعلى رأسها عدد النقرات ومعدلات التفاعل. هذا التحول لا يقتصر على الأدوات التقنية أو أساليب التوزيع، بل يمتد إلى طبيعة المحتوى ذاته، حيث يعاد توجيه المعالجة الصحفية بما يتوافق مع منطق السوق الرقمية الذي يكافئ السرعة والإثارة أكثر مما يكافئ العمق والتحليل.
في هذا السياق، تميل المؤسسات الإعلامية إلى إعطاء الأولوية للموضوعات القادرة على جذب الانتباه الفوري، حتى وإن جاء ذلك على حساب القضايا المركبة التي تتطلب معالجة متأنية. الموضوعات الدينية، بطبيعتها، تنتمي غالباً إلى هذا النوع الثاني، إذ تتداخل فيها الأبعاد التاريخية والفقهية والاجتماعية، ما يجعلها أقل قابلية للاختزال في صيغ سريعة الاستهلاك. غير أن الضغوط المرتبطة بالمؤشرات الرقمية تدفع نحو تبسيط هذه الموضوعات أو تجنبها بالكامل، إلا إذا أمكن إدراجها ضمن سرديات مثيرة.
تظهر هذه الدينامية بوضوح في اختيار الزوايا التحريرية، حيث يتم التركيز على الوقائع المرتبطة بالخلافات والانقسامات داخل الجماعات الدينية، أو تلك التي تتقاطع مع قضايا سياسية أو أمنية. هذا النمط من التغطية يعزز حضور الدين في المجال الإخباري عندما يرتبط بالتوتر أو الإشكال، بينما تتراجع المساحات المخصصة لعرض الممارسات اليومية أو الأبعاد الروحية التي تشكل جوهر التجربة الدينية لدى الأفراد.
كما ينعكس هذا التوجه على طبيعة المصادر المعتمدة في التغطية. إذ يلاحظ ميل متزايد نحو استضافة شخصيات دينية ذات خطاب حاد أو مواقف صريحة، لما توفره من مادة قابلة للتداول السريع. في المقابل، تقل فرص حضور الأصوات المعتدلة أو الأكاديمية التي تقدم قراءات مركبة، نظراً لكونها أقل جذباً من حيث المؤشرات الرقمية، رغم ما تضيفه من قيمة تفسيرية.
على مستوى غرف التحرير، يواجه الصحفيون أنفسهم منظومة تقييم مستمرة تستند إلى بيانات الأداء. التقارير الدورية حول نسب القراءة والمشاركة لا تكتفي بقياس النجاح، بل تتحول إلى أدوات توجيه مباشر للمعالجة المستقبلية. هذا الواقع يفرض على الصحفيين إعادة صياغة موضوعاتهم بما يتلاءم مع توقعات الخوارزميات والجمهور الرقمي، ما يؤدي في حالات عديدة إلى اختزال القضايا أو تقديمها ضمن قوالب مبسطة تفتقر إلى السياق.
في المقابل، تتراجع التغطيات التي تتناول الجوانب الإيجابية أو الاحتفالية للدين، إذ تصنف غالباً ضمن مواد خفيفة لا تحظى بالأولوية في الصفحات الرئيسية. هذا التصنيف لا يعكس بالضرورة أهمية هذه الموضوعات بالنسبة للجمهور، بل يرتبط بقدرتها المحدودة على تحقيق مؤشرات أداء مرتفعة مقارنة بموضوعات أخرى مثل الجريمة أو السياسة.
غير أن المعطيات المتوفرة تشير إلى وجود فجوة بين ما يطلبه الجمهور وما تنتجه المؤسسات الإعلامية. فقد أظهرت نتائج استطلاع مركز بيو للأبحاث حول الدين والمجتمع أن نسبة معتبرة من الأفراد تعبر عن اهتمامها بالحصول على محتوى ديني موثوق وعميق. هذه المفارقة تطرح تساؤلات حول مدى استدامة النموذج القائم على المؤشرات الرقمية وحدها، خاصة عندما يؤدي إلى إهمال مجالات معرفية تحظى باهتمام فعلي.
تتجاوز هذه التحولات البعد المهني لتلامس الدور الاجتماعي للإعلام. فحين يتم اختزال الدين في لحظات التوتر أو الجدل، تتشكل لدى الجمهور صورة غير مكتملة، قد تعزز التصورات النمطية أو الفهم الجزئي. في المقابل، تظل الإمكانات متاحة لإعادة التوازن عبر تطوير نماذج تحريرية تجمع بين متطلبات الانتشار الرقمي والحفاظ على جودة المحتوى، بما يسمح بتقديم معالجة أكثر شمولاً للشأن الديني.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/97280514/click-econo...










