المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

الصحراء الغربية: هل حان وقت الواقعية؟


الثلاثاء 11 أغسطس 2026 à 15:08 |




يرى تحليل نشرته مجلة أتالايار الإسبانية أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، يشكل محطة مفصلية في ملف الصحراء الغربية. فالقرار، وإن لم يحسم وضع الإقليم نهائيا ولم يُغلق الإطار الأممي، وضع مبادرة الحكم الذاتي المغربية في صميم دينامية التفاوض، وشدد على البحث عن حل سياسي قائم على التوافق.

ومنذ صدور هذا القرار، بدت مشاورات المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، إلى جانب لقاءات واشنطن ومدريد وتنامي انخراط القوى الغربية، وكأنها ترسم مشهدا جديدا يتقدم فيه الواقعية السياسي تدريجيا على المواقف المتشددة.



الحكم الذاتي في قلب الدينامية الجديدة

طورت الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة تدريجيا مواقف متقاربة بشأن الطابع الواقعي والموثوق لمبادرة الحكم الذاتي المغربية. ولا يعني هذا التطور اختفاء الخلافات الدبلوماسية، لكنه يعكس تغيرا في المنهج: بعد عقود من الفشل، أصبح السؤال هو أي حل يمكن التفاوض عليه سياسيا، وقابل للتطبيق مؤسسيا، ومقبول بما يكفي لتمكين الأطراف من الخروج من النزاع.

وتلعب واشنطن دورا خاصا في هذا المسار الجديد. فمنذ اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء سنة 2020، اندرج موقفها تدريجيا ضمن مقاربتها الدبلوماسية. وفي 2026، تعزز انخراطها، لا سيما عبر مشاورات ستافان دي ميستورا ونقاشات واشنطن، في ما يبدو أنه سعي لتسريع البحث عن تسوية وتفادي تحول النزاع إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار في منطقة أنهكتها أصلا أزمات الساحل.


أكتوبر 2026: محطة حاسمة

قد يشكل التقرير المقبل لستافان دي ميستورا اختبارا حقيقيا لهذه الدينامية الجديدة. وستكون ثلاثة أسئلة أساسية مطروحة: هل قرّبت المشاورات وجهات النظر؟ وهل قدّمت الأطراف مقترحات ملموسة؟ وهل يسمح الإطار الحالي فعليا بالتقدم نحو تسوية؟

وتبقى عدة سيناريوهات ممكنة في أكتوبر 2026: التجديد البسيط لولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو)، أو تعزيز الدينامية التي أطلقها القرار 2797، أو حتى التطور نحو مسار أكثر شمولا يتيح الاستماع إلى مختلف مكونات المجتمع الصحراوي، وهي مسألة بالغة الأهمية لأن السلام الدائم قد يستلزم مراعاة تنوع الحساسيات الصحراوية.


تعدد الأصوات الصحراوية

لعقود، قدمت جبهة البوليساريو نفسها بوصفها الممثل الوحيد للصحراويين في المحافل الدولية. غير أن المشهد السياسي الصحراوي أبعد ما يكون عن التجانس؛ إذ يدافع البعض عن الاستقلال، بينما يفضل آخرون الحكم الذاتي، في حين يسعى فريق ثالث أساسا إلى إنهاء النزاع ولمّ شمل الأسر وضمان الحقوق السياسية والاقتصادية وفتح أفق للتنمية.

وفي هذا السياق برزت الحركة الصحراوية من أجل السلام، التي تأسست سنة 2020 ويقودها حاج أحمد بريكاله، وتدافع عن حل تفاوضي قائم على التوافق والحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مصحوبا بضمانات سياسية ومؤسساتية. وتقدم الحركة نفسها بوصفها "طريقا ثالثا"، ليس بالضرورة كوضع إقليمي ثالث، بل كمقاربة سياسية بديلة تروم الخروج من منطق كل شيء أو لا شيء.


ظهور دبلوماسي جديد للحركة

خلال السنوات الأخيرة، ضاعفت الحركة الصحراوية من أجل السلام اتصالاتها مع مسؤولين سياسيين ودبلوماسيين وباحثين وفاعلين في المجتمع المدني في أوروبا والولايات المتحدة وفضاءات دبلوماسية أخرى. وشكل لقاء 30 يونيو 2026 في نيويورك، الذي جمع وفدا من الحركة بالسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، محطة جديدة؛ إذ قدّم الدبلوماسي الأمريكي علنا أعضاء الحركة بوصفهم أصواتا صحراوية منخرطة في السلام والتوافق وحل دائم.

ويشكل هذا التصريح إشارة سياسية مهمة، إذ إن قوة محورية في مجلس الأمن باتت تمنح اليوم حضورا علنيا لمنظمة صحراوية تطالب بمكان في النقاش.


الواقعية كاستراتيجية للسلام

يتعلق الأمر بالبحث عن صيغة تحفظ حقوق وكرامة السكان مع إنهاء نزاع أصبح مسدودا بنيويا. وتندرج هذه المقاربة ضمن تحول أوسع في السياق الدولي: فعالم الدبلوماسية سنة 2026 لم يعد عالم 1991؛ فقد تغيرت الأولويات الأمنية، وتحول الساحل، وتعززت العلاقات بين المغرب وعدد من القوى الغربية، واعتمد مجلس الأمن قرارا غيّر اللغة السياسية المحيطة بالتفاوض.

وتندرج التصريحات المنسوبة إلى قياديين في البوليساريو ضمن هذا التحول أيضا، وتعكس التغيرات التي طرأت على البيئة الدولية.


الصحراء في مغرب عربي وساحل يتغيران

يضيف تحول منطقة الساحل بعدا استراتيجيا إضافيا للملف؛ فالإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة والهجرة وعدم الاستقرار المؤسساتي والتنافسات الجيوسياسية غيّرت بعمق بيئة شمال غرب إفريقيا.

ويسهم استمرار النزاع في الإبقاء على القطيعة بين المغرب والجزائر، ويحول دون تعاون مغاربي يرقى إلى مستوى التحديات الإقليمية. وتسوية الملف لن تحل كل مشاكل الساحل، لكنها قد تُزيل أحد أبرز العوائق السياسية أمام تعاون إقليمي أكثر طموحا. فتكلفة استمرار الوضع الراهن تتجاوز إذن الصحراء بكثير، وتشمل المغرب العربي بأكمله، وبشكل غير مباشر منطقة الساحل.


نحو معمارية سلام جديدة؟

قد تحتاج مسيرة السلام إلى فاعلين جدد يكملون الفاعلين التاريخيين. وإعطاء الكلمة لمكونات صحراوية جديدة يعني الاعتراف بأن المجتمعات لا تُمثَّل أبدا بشكل كامل عبر منظمة واحدة. وسيكون الرهان الحقيقي لخريف 2026 هو معرفة ما إذا كان مجلس الأمن يريد فقط إدارة النزاع أم المساهمة فعليا في حله.

ويتعين على أي حل ذي مصداقية أن يجيب عن أسئلة ملموسة تتعلق بالضمانات، والحكامة، والتمثيلية، والحقوق السياسية، ووضع سكان المخيمات، وآليات العودة والمصالحة، وحماية الهوية والثقافة الصحراويتين، والجدولة الزمنية، والانخراط الدولي.


خيار أكتوبر 2026

يشكل القرار 2797، ومشاورات ستافان دي ميستورا، والانخراط الأمريكي، وتطور مواقف عدد من القوى الغربية، وبروز أصوات صحراوية جديدة، مؤشرات على تحول في المسار. ولا يضمن أي من هذه العناصر التوصل إلى حل، لكن تقاطعها يبقى مهما بما يكفي لأخذه على محمل الجد.

وقد يفتح خريف 2026 بذلك فصلا جديدا؛ إذ باتت مبادرة الحكم الذاتي المغربية تحتل مكانة محورية في جزء مهم من الدبلوماسية الدولية، فيما تصبح مسألة الضمانات والطرائق التنفيذية أساسية. وفي موازاة ذلك، يصعب تجنب سؤال محوري: أي أصوات صحراوية يجب أن تشارك في بناء السلام؟

ويمكن للحركة الصحراوية من أجل السلام أن تمثل قطعة مهمة من هذا المشهد الدبلوماسي الجديد، لا كبديل تلقائي عن جبهة البوليساريو، ولا كحل مفروض من الخارج، بل بوصفها أحد الأصوات الصحراوية التي اختارت أن تضع التوافق والسلام والواقعية في صميم مشروعها.


وبعد قرابة خمسين عاما من النزاع، تحتاج الصحراء الغربية إلى جيل من الحلول أكثر من حاجتها إلى جيل جديد من الشعارات. فالسؤال المركزي لم يعد إذن معرفة من على صواب في السرد التاريخي، بل أي حل يمكن أن يتيح للسكان الخروج من قصة النزاع نحو قصة السلام.




المصدر : https://aljanoubiya.articlophile.net/articles/i/97...



Rss
Twitter
Newsletter