ثمة لحظة سرية، تكاد تكون مقدسة، تتوقف فيها مراكش عن كونها جغرافيا لتتحول إلى قصيدة. إنها اللحظة المعلّقة حين تميل الشمس نحو سهل الحوز، فتطول الظلال عند سفح الأسوار، وتشتعل المدينة بأكملها. تحت هذه السماء المتوهجة، تكشف المادة عن سرّها: فالمدينة لا تعكس الضوء فحسب، بل تشربه وتُعيد تشكيله في تدرّجات من الأصفر الترابي والوردي الطيني والزعفراني النابض. وتعود هذه الكيمياء الفريدة إلى كلمة واحدة، وحركة يدٍ ضاربة في القدم: التابية (البناء بالطين المدكوك).
عمارة وُلدت من الطين والريح
لم تُبنَ المدينة الحمراء من رخام ثمين أو حجر منحوت. إنما بُنيت من التراب؛ ذلك الذي يُستخرج من تحت الأقدام، ويُعجن بماء العيون والتبن المفروم والجير. وبناء التابية هو حوار حميم مع تربة السهل: لا يُغيَّر المشهد، بل يُقام عموديًا ليصير أسوارًا وفنادق تجارية ومساكن للسكينة.
وتحمل الأسوار المرابطية التي تحيط بالمدينة العتيقة على امتداد نحو عشرين كيلومترًا آثار ميلادها الخشن. فكل ثقب من "ثقوب التخشيب" التي تتخلل الجدران على مسافات منتظمة يروي عمل المعلّمين القدامى الذين كانوا يُثبّتون قوالبهم الخشبية لدكّ التراب الرطب داخلها. وفي هذه المادة نقصٌ بديع، وهندسة عضوية تتجاور فيها حبيبات الصخر مع شذرات التبن، فتمنح السطح حيوية ونبضًا حيًّا.
الضوء بوصفه مادة للبناء
إذا كانت التربة تمنح مراكش جسدها، فإن الضوء هو ما ينفخ فيها الروح. تمتلك التابية خاصية مدهشة تتمثل في امتصاص أشعة الشمس دون أن تعكسها بقسوة كما يفعل الطلاء الحديث. وعلى مدار الساعات، تُغيّر المدينة وجهها: فعند الفجر، تكتسي الجدران لونًا ورديًا شاحبًا يكاد يكون خجولًا، منعشًا ببرودة الليل التي لا تزال عالقة. وعند الظهيرة، تحت شمس حارقة، تبدو المادة وكأنها تحترق، فتميل إلى الأصفر الترابي المغبرّ، متحدّية الحرّ بقصورها الحراري الطبيعي. وعند الساعة الزرقاء، عند الغسق، تشتعل التابية فتصير بلون طين سيينا ثم برتقاليًا متوهجًا، قبل أن تخفت رويدًا في بنفسجي عميق يذوب في السماء.
تعمل هذه المادة كشاشة سينمائية طبيعية؛ فسعف النخيل المتمايل فوق الجدران يرسم عليها ظلالًا مقصوصة كالدانتيلا. وفي صمت الدروب الضيقة المتشابكة، تكسر هندسة الجدران الضوء المباشر، فلا تدع يتسرب سوى وهج ناعم، وظل هادئ يدعو إلى التأمل.
فن الديمومة: ترف الهشاشة
في عالم حديث مهووس بالخرسانة والخلود الاصطناعي، تُذكّر التابية بجمال الأشياء الزائلة والحيّة. فالجدار الطيني يتنفّس؛ يخشى المطر الغزير، ويطلب أن يُلامَس، وأن يُرمَّم، وأن يُطلى بانتظام بذلك المِلاط التقليدي من الجير والأصفر الترابي الذي يحميه من عوادي الزمن.
وهذه الهشاشة الظاهرة هي بالضبط ما يمنحها نبلها. فالعيش بين جدران من التابية هو سكنى شرنقة تعزل عن الضجيج وتقلّبات الحرارة، ملاذ يحفظ برودة الشتاء وعذوبة الصيف.
ولا تُخطئ العمارة المعاصرة في مراكش هذا الدرس؛ فمن البنّائين الملتزمين إلى كبار المصممين، يعيد الجميع اليوم اكتشاف ما كان يعرفه مؤسسو المدينة منذ ألف عام: أن التراب ليس مادة من الماضي، بل جواب شعري وبيئي عن أسئلة المستقبل.
وحين تتجول في المدينة العتيقة عند غروب الشمس، تأمّل ذلك الغبار الذهبي الذي يحوم فوق السطوح. إنه ليس مجرد تراب؛ إنه جوهر مراكش ذاته، نحتته أيدي البشر وسمَتْه أنوار العالم.
المصدر : https://mrrakch.articlophile.net/mraksh/i/97636523...










