المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

أزمة سبتة: ماذا كشفت أزمة الهجرة الأخيرة عن العلاقات المغربية الإسبانية؟


الاربعاء 12 أغسطس 2026 à 00:17 |




ماذا جرى الأسبوع الماضي في سبتة؟ سبتة، إلى جانب مليلية، هما مدينتان تخضعان للسيادة الإسبانية داخل القارة الإفريقية، على الحدود مباشرة مع المغرب، وهما إقليمان يطالب بهما المغرب معتبراً أنهما جزء من ترابه، بينما ترفض إسبانيا بطبيعة الحال أي تنازل عنهما. بين 50 و60 ألف شاب، أغلبهم من الذكور وبعضهم قاصرون، حاولوا بلوغ جيب سبتة سباحةً خلال الليالي الأخيرة من يوليوز، سعياً إلى الوصول إلى الأراضي الأوروبية.



فما الذي أشعل هذا التدفق؟ في الثامن من يوليوز، قضت المحكمة العليا الإسبانية بأن إجراء "الإعادة الفورية" إلى الحدود لا يمكن تطبيقه تلقائياً ودون مسطرة قانونية على من يبلغون الأراضي الإسبانية عبر البحر، في قضية تعود إلى مواطن جزائري اعتُرض في البحر سنة 2024 وأُعيد فوراً إلى السلطات المغربية دون إخضاعه لمسطرة الطرد القانونية. هذا القرار القضائي، مقروناً بإشاعات تحدثت عن تسويات إدارية جماعية تتيح الإقامة على الأراضي الإسبانية، خلق طلباً متزايداً على المحاولة. وقد أعلنت إسبانيا فعلاً، في وقت سابق من السنة، عن خطة لتسوية وضعية نحو 500 ألف مهاجر على أراضيها، وإن كانت هذه التسوية تخص أساساً مهاجرين من أمريكا اللاتينية ولا ترتبط مباشرة بأزمة سبتة. تزامن ذلك مع نوع من التراخي من جانب حرس الحدود المغاربة، الذين تركوا الأمر يتفاقم قبل أن تتدخل قوات الأمن على الجانبين.


غير أن الأزمة حُلّت بسرعة نسبية: عاد معظم المغاربة إلى بلادهم، إذ أعلنت السلطات الإسبانية أن أكثر من 48 ألفاً من أصل نحو 60 ألف عبروا الحدود قد عادوا إلى المغرب، فيما يبقى مؤسفاً سقوط عدد من الضحايا خلال محاولات العبور، تراوحت التقديرات بشأنه بين 18 و34 حالة وفاة بحسب المصادر.


لفهم خلفيات الأزمة، لا بد من التذكير بطبيعة العلاقات المغربية الإسبانية: فإسبانيا هي التي كانت تستعمر الصحراء الغربية، المعروفة إسبانياً بـ"الصحراء الإسبانية"، والتي أصبحت اليوم تحت السيطرة المغربية ويعتبرها المغرب جزءاً من ترابه الوطني. وقد تحسّنت العلاقات بين البلدين بشكل واضح منذ أن كفّت إسبانيا عن نفي الطابع المغربي للصحراء، عقب التحول الذي أعلنته مدريد سنة 2022 في دعمها لمخطط الحكم الذاتي المغربي. غير أن هذا التقارب مع الرباط أثار في المقابل توتراً مع الجزائر، الداعمة لجبهة البوليساريو، فاستدعت الجزائر سفيرها من مدريد وجمّدت جانباً من علاقاتها التجارية معها.


وفي هذا السياق بالذات، توجّه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر العاصمة، في زيارة سعى من خلالها إلى تحسين العلاقات مع الجزائر بعد سنوات من التوتر، ولا سيما في ملف إمدادات الطاقة التي تحتاجها إسبانيا من الجزائر. وقد رأى البعض في هذا التقارب "نوعاً من المؤامرة" بين إسرائيل والولايات المتحدة والمغرب لزعزعة استقرار سانشيز، غير أن التفسير الأقرب إلى الواقع هو "أثر الدومينو": فمن المعروف أن كلاً من إسرائيل والولايات المتحدة يكنّان عداءً واضحاً لسانشيز بسبب مواقفه من غزة، بينما للمغرب أجندة مختلفة، إذ يطالب بسيادته على سبتة ومليلية لكنه يدرك أن ذلك لن يتحقق بالقوة، فتبقى بين الطرفين توترات دورية، مع إدراك مشترك بأن البلدين جارَان لا مفر من التكيف بينهما.


وقد جوبه سانشيز، على الصعيد الأوروبي، بانتقادات واسعة وبنقص ملحوظ في التضامن: فرئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني طالبت بتعليق اتفاقيات "شنغن" التي تتيح حرية التنقل بين دول الاتحاد الأوروبي مع إسبانيا، رغم أن سبتة أصلاً خارج نطاق منطقة شنغن، ورغم أن ميلوني نفسها كانت قد وعدت، على الرغم من مواقفها المناهضة للهجرة، بتسوية وضعية 500 ألف مهاجر لأن إيطاليا ببساطة تحتاج إلى هذه اليد العاملة. والأكثر إثارة للاستغراب أن رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن طالبت هي الأخرى بتعليق اتفاقيات شنغن، رغم أن الدنمارك نفسها تطلب تضامن الدول الأوروبية حين يتعرض إقليم غرينلاند لتهديد الضم من قبل الولايات المتحدة، ولا تُبدي التضامن نفسه حين تكون إسبانيا تحت الضغط، وهو سلوك يفتقر إلى قدر من الاتساق. ولم تفوّت إسرائيل والولايات المتحدة الفرصة لتوظيف الأزمة ضد سانشيز، إذ استغلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليبرهن على صواب سياسته المناهضة للهجرة، محذراً من أن ما جرى في سبتة قد ينذر بموجة مماثلة على الحدود الأمريكية المكسيكية.


في المقابل، تصرّف بيدرو سانشيز بما يشبه سلوك رجل الدولة الحقيقي: فبينما كان كثيرون يدفعونه إلى تحميل السلطات المغربية مسؤولية ما جرى بسبب تراخيها الظاهر، لم يفعل ذلك، مدركاً أن الوضع أصلاً محرج للمغرب حين يريد 50 إلى 60 ألف شخص مغادرة بلدهم، وهو ما يشكل نوعاً من الإحراج للسلطات المغربية، خصوصاً أن الأزمة تزامنت مع عيد العرش، الذي كان فيه ملك المغرب يستعرض ما تحقق من تقدم منذ توليه الحكم قبل 27 سنة، من تنظيم كأس العالم إلى معدلات النمو الاقتصادي. غير أن للمغرب معضلة حقيقية تتمثل في البطالة، خصوصاً بين الشباب وحاملي الشهادات، وهو ما أفرز احتجاجات ما عُرف بـ"جيل زد" قبل مدة، والتي لم تنطفئ جذوتها كلياً بعد. فليس من السهل على المغرب أن يرى جزءاً من شبابه يريد مغادرة البلاد نحو إسبانيا وأوروبا. لذلك، فضّل سانشيز، بدل مساءلة السلطات المغربية أو الأمريكية، أن يوجّه أصابع الاتهام إلى شبكات التهريب والإشاعات و"جنون تيك توك" والأخبار الزائفة المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، حرصاً منه على مستقبل العلاقات الطيبة بين إسبانيا والمغرب.


لافت أيضاً أن سياسيين آخرين، كما حدث في فرنسا مع الجزائر، كان بإمكانهم استغلال الأزمة لصب الزيت على النار وتحقيق شعبية رخيصة على حساب استهداف بلد بعينه، غير أن سانشيز لم يفعل ذلك، لإدراكه أن إسبانيا والمغرب لن ينتقلا جغرافياً، وأنهما بحاجة إلى الحفاظ على علاقات جيدة، خصوصاً أنهما سيشتركان بعد أربع سنوات في تنظيم كأس العالم، وأنهما في نهاية المطاف مضطران للتفاهم. مع ذلك، لن تتخلى إسبانيا عن مطالبتها بسيادتها على سبتة ومليلية؛ فأي رئيس وزراء إسباني يتخلى عن سيادة بلاده على هاتين الجيبين سيُطاح به سياسياً في بلده، إذ لا يمكن التنازل عن أراضٍ من هذا القبيل ما لم يكن هناك إكراه فعلي، فهما إرث تاريخي، وإن كان مثار جدل، لا يمكن لأي رئيس وزراء إسباني، ناهيك عن رئيس وزراء من اليسار، أن يتنازل عنه، وبالتالي سيواصل المغرب المطالبة به من جانبه.


في المحصلة، فإن الأزمة الأخيرة، رغم انطفائها السريع، أعادت إلى الواجهة معادلة معقدة: مغرب وإسبانيا جاران لا يمكنهما الاستغناء أحدهما عن الآخر، وأوروبا منقسمة بشأن التعامل مع أزمات الهجرة، فيما تبقى معالجة جذور المشكلة، وفي مقدمتها بطالة الشباب في المغرب، رهاناً أكثر إلحاحاً من أي تصعيد دبلوماسي عابر. وما لم تنجح الرباط ومدريد في تحويل هذا الجوار الجغرافي إلى شراكة حقيقية بعيداً عن منطق المطالبة والتوتر الدوري، فإن مشاهد سبتة مرشحة للتكرار.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97630484/a...



Rss
Twitter
Newsletter