تناول حوار نشر في «لو فيغارو» أفكار المؤرخ الفرنسي آلان بسانسون، العضو في معهد فرنسا وأستاذ الدراسات في المدرسة العليا للدراسات في العلوم الاجتماعية، بمناسبة صدور عمل جديد له بعنوان «عدوى» عن دار «لي بيل ليتغ». يضمّ هذا الكتاب عشر دراسات أساسية تمتدّ على ما يقارب نصف قرن من البحث، يعرض فيها المؤلف رؤيته النقدية للالتباسات الفكرية والدينية التي طبعت العصر الحديث.
أشار بسانسون في سيرته الذاتية إلى أنه لم يغفر لنفسه انخراطه في الحزب الشيوعي خلال سنوات الخمسينيات، قبل أن ينفصل عنه بعد صدور تقرير خروتشوف الذي كشف جرائم الستالينية. وقد اعتبر أن فهم التاريخ الروسي والسوفياتي كان بالنسبة إليه طريقاً للتكفير عن هذا الانخراط، إذ رأى في الشيوعية أكثر من مجرد نظرية سياسية، بل شكلاً من أشكال الغنوصية الحديثة التي تتميّز بادعائها العلمي وقدرتها على حشد الإيمان الحماسي لدى أتباعها.
في كتابه الأخير، تحدث المؤرخ عن مفهوم «العدوى الفكرية» التي تنتج، بحسبه، عن الخلط بين مجالات متمايزة: بين الإيمان والعلم، بين العقيدة والإيديولوجيا، وبين الدين والعمل الإنساني. ويرى أن هذا الخلط هو الذي يغذي كثيراً من الأزمات الفكرية والدينية المعاصرة، سواء في الغرب أو في العالم الإسلامي، حيث تتقدس القوانين المدنية باسم التشريع الإلهي، ما يجعل العلاقة بين المقدس والدنيوي معقدة ومتشابكة.
في حديثه عن التجربة الشيوعية، أوضح بسانسون أن النظام السوفياتي لم يكن مجرد دكتاتورية، بل مشروعاً توتاليتارياً قائماً على عقيدة شمولية تدّعي العلمية وتقدّم نفسها على أنها طريق الخلاص. هذا البعد «الخلاصي» هو ما جعله أقرب إلى الدين من أي منظومة سياسية أخرى، لأنه استعار من الأديان فكرة الأمل والفداء، غير أنه ألغى دور الإيمان الشخصي لصالح معرفة «علمية» مطلقة تضع مفاتيح التاريخ بين أيدي الحزب.
ورأى المؤرخ أن كثيراً من المثقفين الغربيين وقعوا، حتى بعد كشف الجرائم الستالينية، في نوع من «العمى الأيديولوجي» ناجم عن الرغبة في إحياء روح الثورة وعن الميل الجذري إلى المثالية المطلقة، ولو على حساب الواقع الإنساني. وأوضح أن الأيديولوجيات الكبرى في القرن العشرين، من الشيوعية إلى النازية، كانت محاولات متكررة لاستبدال الإيمان الديني بأنظمة فكرية تُضفي على نفسها هالة من الضرورة العلمية والتاريخية.
في المقابل، رأى بسانسون أن الإسلاموية لا تشبه التوتاليتارية الشيوعية من حيث الجوهر، لأنها حركة دينية صريحة وليست عقيدة تدّعي العلمية. لكنه أشار إلى أن صعود الأصولية الإسلامية يجد جذوره في البنية العقائدية للإسلام، الذي يقدّم وعداً بالخلاص من خلال الالتزام بالأركان الخمسة دون أن يفتح المجال الواسع للتساؤل والقلق الوجودي الذي ساد في الفكرين اليهودي والمسيحي. وأشار إلى أن هذا البعد التشريعي يجعل من الإسلام منظومة مغلقة على ذاتها، ترى العالم من منظور ثنائي: دار الإسلام ودار الحرب.
أما عن العلاقة بين الإسلام والحداثة، فقد عبّر بسانسون عن شكوكه في إمكانية تحقق انسجام عميق بينهما، مشيراً إلى أن التجربة الكاثوليكية في فرنسا كانت مختلفة لأنها نشأت داخل البنية الحضارية نفسها وانتهت، بعد صراع طويل، إلى التوافق مع المدنية الحديثة، وهو مسار لم يعرفه الإسلام بعد، حسب رأيه.
وتناول الكاتب مسألة تراجع المسيحية في الغرب مقابل ازدهار الإسلام، مذكّراً بأن بعض المفكرين في القرن التاسع عشر كانوا يعتقدون أن الإسلام في طريقه إلى الاندثار، بينما تشير الإحصاءات المعاصرة إلى تضاعف أعداد المسلمين. واعتبر أن التراجع الحالي للكنيسة يعود إلى ضعف الإيمان وفقدان اليقين بالعقائد الجوهرية، ما جعل الممارسة الدينية تميل نحو نزعة إنسانية عامة تبتعد عن الإيمان التقليدي.
وأوضح أن ما يسمى اليوم بـ«الإيمانية الإنسانية» هو نتيجة فراغ ميتافيزيقي تولّد في المجتمعات الغربية بعد انحسار الإيمان والعقيدة. ففي هذا الفراغ تنمو أشكال جديدة من التدين العاطفي والعام، الذي يخلط بين القيم الدينية والمبادرات الخيرية دون أن يمتلك الأساس اللاهوتي المتين الذي ميّز المسيحية عبر تاريخها.
واختتم بسانسون حديثه بالتوضيح أن اختياره لعنوان «عدوى» يعكس رفضه لكل أشكال الخلط بين المفاهيم والمجالات، سواء كان ذلك بين الدين والقومية، أو بين العلم والإيديولوجيا، أو بين العقيدة والإنسانوية. فهذه الخلطات، في نظره، تنتج أمراضاً فكرية وروحية تشبه الأوبئة، لأنّها تمحو الحدود بين الحقائق وتشيع الالتباس في الوعي الجمعي.
المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/94168554/fy-fragh-...


