ألقى يان لوكون، أحد روّاد التعلّم العميق والحائز على جائزة تورينغ، محاضرة وحواراً مفتوحاً مع الطلبة في ندوة كبرى نظّمها معهد «سيانس بو» بباريس يوم 16 سبتمبر 2026، وأدار النقاش فيها المستثمر إريك هازان، مؤسس شركة «أردابيل كابيتال». ويرأس لوكون مجلس إدارة شركته الناشئة AMI (اختصار «الذكاء الآلي المتقدم»)، التي أُعلن عن تأسيسها قبل نحو سنة، حسب كلمة الافتتاح.
مسيرة بدأت ضد التيار
روى لوكون أن اهتمامه بالذكاء انطلق من سؤال قديم: كيف يعمل الدماغ وما الذكاء؟ ومن قناعته بأن بناء آلات ذكية هو الطريق الوحيد لاختبار أي نظرية عنه. وعندما أنهى دراسته الهندسية في أوائل الثمانينيات، كانت «النظم الخبيرة» القائمة على قواعد يكتبها المهندسون هي السائدة في الحقل، بينما كانت الشبكات العصبية شبه مهمَلة، حتى إنه لم يجد مشرفاً متخصصاً على بحثه. ثم عمل مع الباحث جيفري هينتون في تورنتو، وانتقل إلى مختبرات «بيل» الأمريكية التي طوّر فيها، أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، «الشبكات الالتفافية» المستعملة اليوم في التعرف على الصور، ومنها أنظمة مساعدة السائق وتحليل الصور الطبية.
ويرى أن عام 2012 كان المنعطف، عندما حطّم فريق هينتون رقماً قياسياً في تصنيف الصور باستعمال هذه التقنية، فتبنّاها مجتمع الرؤية الحاسوبية بين عشية وضحاها. وبعد ذلك أسّس مختبر الأبحاث في الذكاء الاصطناعي لدى «فيسبوك» نهاية 2013 وبداية 2014، وبقي فيه نحو اثني عشر عاماً.
لماذا لا يكفي النص؟
الحجة المركزية عند لوكون أن النص أسهل من الواقع. فالنموذج اللغوي يتنبأ بالكلمة التالية على شكل توزيع احتمالي على قاموس محدود، أما التنبؤ بما سيظهر في الإطار التالي من فيديو فمسألة أصعب بكثير. ويقارن بين حجمين من المعلومات: النصوص المتاحة على الإنترنت والتي تُدرَّب عليها النماذج الكبرى تعادل، بحسابه، نحو 10 أس 14 بايت، أي ما يحتاج قراءته نصف مليون سنة، وهو الرقم نفسه تقريباً الذي يصل إلى القشرة البصرية لطفل في الرابعة من عمره عبر نحو 16 ألف ساعة يقظة. وخلاصته أن جزءاً كبيراً من الواقع غائب عن النصوص، ولذلك لن تبلغ أنظمة تتدرب على النص وحده مستوى الذكاء البشري.
ويستشهد على الفجوة بأن الأنظمة الحالية تجتاز امتحان المحاماة وتكتب الشيفرات، لكننا لا نملك سيارة ذاتية القيادة بالكامل ولا روبوتاً منزلياً يرتب المائدة، ولا نظاماً يفهم العالم المادي كما يفهمه قط من قطط الأزقة. وأضاف أن شركات الروبوتات الشبيهة بالبشر لا تعرف بعد كيف تجعلها ذكية بما يكفي لتكون نافعة، وتوقع أن يفلس بعضها قبل أن يتقدم البحث.
«نماذج العالم»: بديل تقترحه شركته
الحل الذي يقترحه لوكون بنية سمّاها JEPA، أي «البنية التنبؤية ذات التضمين المشترك»: بدل محاولة توقع كل بكسل في الفيديو، يتعلم النظام تمثيلاً مجرداً للواقع يحذف التفاصيل غير القابلة للتنبؤ، ثم يتنبأ داخل هذا التمثيل. وقال إن مقالته التي عرض فيها الفكرة عام 2022 تُذكر اليوم في نحو 2900 ورقة علمية، لكنها لم تدخل بعد في اهتمام صناعة وادي السيليكون المنشغلة بتحسين النماذج اللغوية.
وإذا أُضيفت إلى هذه النماذج بيانات من نوع «ملاحظة، فعل، حالة تالية»، أمكنها، حسب كلامه، أن تتنبأ بنتائج الأفعال وأن تخطط لسلاسل منها، وهو التخطيط الذي تمارسه الحيوانات بفطرتها. ويرى أنها بذلك تصير نماذج سببية، وأن هذا يفتح الباب لتطبيقات في الروبوتات والصناعة. غير أن ندرة بيانات اللمس وضعف مستشعراته يظلان عقبة أمام الروبوتات الماهرة في مناولة الأشياء. ويؤكد أن هذه النماذج أصغر حجماً وأقل حاجة إلى الذاكرة من النماذج اللغوية، لأنها تستبدل الفهم بتخزين الحقائق.
السيادة والمصادر المفتوحة
على سؤال أوروبا، قال لوكون إنها ربما خسرت سباق النماذج اللغوية لكنها لم تخسر معركة الذكاء الاصطناعي كلها، لأن ثورة «نماذج العالم» لم تبدأ بعد وهي أقل كلفة في العتاد. وأضاف أن الشرط الثاني للسيادة هو النماذج المفتوحة: فالمعلومات التي ستصل إلى المواطنين ستمر عبر مساعدين أذكياء، وإذا بقيت هذه المساعدات حكراً على بضع شركات أمريكية أو صينية فذلك ضرر على الثقافة والديمقراطية. ويدعو إلى تحالف دول وجامعات لتدريب نموذج مفتوح يضم أيضاً مقتنيات ثقافية غير متاحة علناً، كمجموعات المكتبة الوطنية الفرنسية، في إطار «مشروع تابستري» الذي يقول إنه حظي بدعم حكومات مثل الهند واليابان وفيتنام.
التنظيم والمخاطر: رأي مخالف للتيار
سُئل لوكون عن «الهدنة» أو التوقف المؤقت عن تطوير الذكاء الاصطناعي، فرفضها، واتهم دعاتها بالتناقض وبمحاولة التحصّن بغلاف أخلاقي، وقال إن بعض الشركات توظف خطاب الخطر الوجودي للتأثير في الحكومات وتقييد المصادر المفتوحة. وهذه أقوال تعبّر عن موقفه الشخصي ولم يقدّم عليها أدلة في الندوة، وتخالفها آراء باحثين وشركات يرون أن المخاطر جدية. وأيّد تنظيم نشر الأنظمة واستخدامها كما هو الحال في السيارات والتصوير الطبي، لا تنظيم البحث نفسه، وشبّه المطالبة بتنظيم أنظمة لم تُخترع بعد بالمطالبة، عام 1920، بتنظيم الرحلات النفاثة عبر الأطلسي.
وفي ملف الطاقة قال إن الكهرباء الفرنسية قليلة الكربون وإن مراكز البيانات ينبغي أن تُقام في فرنسا، وإن الحوافز الاقتصادية تدفع الشركات أصلاً إلى خفض الاستهلاك. وزعم أن مراكز البيانات لا تستهلك الماء لأنه يدور في حلقة مغلقة، وهو قول يحتاج إلى تدقيق، إذ تشير دراسات وتقارير إلى أن كثيراً من هذه المراكز يستهلك كميات معتبرة من الماء في التبريد. ورأى أن سيناريوهات الهجمات الإلكترونية والأسلحة البيولوجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي مبالغ فيها، لأن المدافعين يملكون تقنيات أفضل، ولأن صنع فيروس وتوزيعه يحتاجان إلى فرق ومعدات خاضعة للرقابة.
ذكاء أعلى من البشر.. لكن تحت الإمرة
أكد لوكون أن آلات أذكى من البشر في معظم المجالات ستظهر يوماً، لكن ليس من النماذج اللغوية، وليس في العام المقبل. وتوقع أن تبقى هذه الأنظمة خاضعة لأوامرنا، وأن يصبح الإنسان أشبه بمدير فريق من المساعدين الافتراضيين، هو من يقرر ما يستحق العمل عليه. وفي رده على سؤال عن البعد الاجتماعي للتعلم، قال إن التفاعل مع الآخرين يسرّع التعلم عبر المحاكاة، لكن ذكاء حيوانات كالأخطبوط يتكوّن دون تفاعل مع الأبوين، وهو لغز لم يُحسم. وأضاف أن الذكاء البشري ليس «عاماً» كما يُقال، بل متخصص وقابل للتكيف.
مقالات ذات صلة من شبكتنا:
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98266731/y...










