يرى الباحث جان لوك ماروا أن علاقة السينما بالروحانية ليست هامشية أو حديثة، بل تمتد إلى بدايات الفن السابع وتاريخه الطويل مع الإيمان والدين والأسئلة الوجودية. ويعرض في مقاله المنشور سنة 2017 مسارا بحثيا يهتم بالصلة بين الصورة السينمائية والتجربة الروحية، كما يناقش إمكان توظيف الأفلام في التعليم الديني والعمل الرعوي والتنشئة على قراءة الصور.
بين الموضوع الديني والعمق الروحي
ويشير ماروا إلى أن السينما تناولت، منذ نشأتها، الشخصيات الدينية والقصص الكتابية والصلوات والطقوس وقضايا الإيمان والمعضلات الأخلاقية وتاريخ الكنيسة، من دون أن يضمن حضور هذه الموضوعات وحده عمقا روحيا في الفيلم. لذلك يميّز بين العمل ذي الموضوع الديني وبين الفيلم القادر، من خلال بنائه الفني، على فتح مجال لتجربة تتجاوز العرض المباشر للرموز والمعتقدات.
مخرجون وأسئلة متعددة
وتتوزع الأسئلة الروحية في السينما، بحسب الدراسة، على أعمال مخرجين من مدارس وخلفيات متعددة، بينهم إنغمار برغمان، كريستوف كيشلوفسكي، كارل تيودور دراير، روبير بريسون، أندريه تاركوفسكي، بيير باولو بازوليني ولويس بونويل. كما تظهر في أفلام تتناول حياة الرهبان والكهنة والراهبات، أو تقارب الحوار بين المعتقدات، أو تستعيد الصراع بين العلم والدين، أو تطرح مصير الإنسان وعلاقته بالطبيعة والعدالة والعنف والاستهلاك.
ولا يحصر الكاتب البعد الروحي في الأعمال التي تعلن موضوعها الديني صراحة. فأفلام الفانتازيا والرعب والخيال العلمي والقصص المرتبطة بالسحر والقوى الخارقة ونهاية العالم تقدم بدورها صورا للغموض وحدود العقل والخوف من الفوضى. وفي هذا السياق، يمكن للسينما أن تعيد طرح أسئلة الخير والشر، والمسؤولية الأخلاقية، والأساس الذي تقوم عليه المجتمعات، حتى حين لا تستخدم لغة دينية مباشرة.
القيمة الفنية شرط التجربة
ويمنح ماروا أهمية خاصة للبعد الفني، معتبرا أن الفيلم لا يهيئ لتجربة روحية إلا إذا حقق قيمة جمالية حقيقية. فالسينما، رغم نشأتها التقنية والترفيهية والصناعية، تصبح فنا حين لا تكتفي بنقل الوقائع أو استهداف الإرضاء الفوري، بل تبني أسلوبا يمنح العالم المرئي معنى رمزيا. ومن خلال الصورة والصوت والزمن والسرد، قد يشعر المتلقي بأن مشهدا أو لقطة يكشفان عن مستوى آخر من الدلالة، من دون أن يفرض الفيلم تفسيرا واحدا أو يقيد حرية المشاهد.
وتقوم هذه الخبرة، في نظره، على ما يشبه الفجوة التي تسمح لما هو غير مرئي بأن يلوح داخل ما هو مرئي. وقد تنشأ من مشهد يبرز المحبة أو التضحية أو التعاطف أو الألم أو مواجهة الموت، كما يمكن أن تصدر عن عمل أنجزه مخرج لا يعلن انتماء دينيا. غير أن تحققها يظل مرتبطا باستعداد المتفرج وخبرته الشخصية وقدرته على استقبال العمل فنيا وحسيا قبل إخضاعه للتحليل العقلي.
في التربية: لا لاختزال الفيلم في وظيفة توضيحية
وفي المجال التربوي، يحذر الكاتب من اختزال الأفلام في وظيفتها التوضيحية داخل الدروس أو الأنشطة الرعوية. فاختيار فيلم لمجرد موافقته موضوعا دينيا قد يقود إلى أعمال ضعيفة فنيا، بينما يرى أن الأثر الأعمق يتأتى من الأعمال القادرة على البقاء في الذاكرة وصياغة تصور للعالم وإيقاظ الحس الأخلاقي. لذلك يدعو إلى تنمية ثقافة سينمائية لدى المدرسين والمنشطين والمتلقين، تسمح بالتمييز بين القيمة الفنية والاستعمال التعليمي العابر.
بين الانفعال والتحليل
ويقترح ماروا أن تجمع مشاهدة الفيلم بين الانفعال والتحليل. فبعد التجربة الحسية، ينبغي النظر في سياق الإنتاج والسيناريو وخيارات الإخراج والصورة والصوت وبناء الشخصيات والرموز، من دون افتراض أن تفكيك العناصر التقنية يكشف المعنى تلقائيا. ويخلص إلى أن التربية على الصورة باتت ضرورية في زمن كثافة المحتوى البصري، لأنها تساعد على تسمية المشاعر وفهمها، وتعميق الصلة بين التجربة الجمالية والتساؤلات الروحية والمعنى الذي يمنحه الإنسان لحياته.
المصدر : https://nour.soubha.com/articles/i/98252725/%D8%A7...










