المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

هل تنجب نماذج الذكاء الاصطناعي «أبناءً»؟ حقيقة التطور العصبي بين الاستعارة والتقنية


الاثنين 5 أكتوبر 2026 à 12:32 |




تنتشر على مواقع التواصل رسالة رائجة تزعم أن نماذج الذكاء الاصطناعي صارت قادرة على «إنجاب أبناء» وعلى جمع نقاط قوة بعضها بعضاً دون أي تدريب. والخلاصة بعد التدقيق أن الآلية الموصوفة حقيقية، لكن الرسالة مضللة في ثلاث نقاط جوهرية: فهي ليست جديدة، وليست تكاثراً ذاتياً مستقلاً، ولا تثبت أن التطور سيحل محل التدريب بالانحدار التدريجي الذي تقوم عليه النماذج الكبرى اليوم.



ما الصحيح في الادعاء

يسمى هذا المجال «التطور العصبي» (Neuroevolution). فبدل تعديل أوزان الشبكة بحساب ميل دالة الخسارة عبر الانتشار العكسي، يجري تطوير مجموعة كاملة من الشبكات المرشحة على الطريقة التي تعمل بها الخوارزميات التطورية:

  1. توليد مجموعة أولية من الشبكات أو من مجموعات المعاملات.
  2. تقييم كل فرد بدالة «لياقة» تقيس الدقة أو المكافأة في بيئة محاكاة أو الخطأ أو الكلفة.
  3. انتقاء أفضل المرشحين.
  4. إنتاج أفراد جدد بالطفرة، وأحياناً بالتزاوج بين شبكتين (Crossover).
  5. تكرار الدورة عبر أجيال متعاقبة.

وهذه المقاربة قادرة فعلاً على تحسين الشبكات دون حساب صريح للتدرجات. وهي مجال بحثي عريق عُرفت فيه خوارزميات مثل NEAT، وتطورت فيه اليوم أساليب تطور الأوزان أو البنية أو المعاملات الفائقة أو حتى بعض قواعد التعلم.


أولاً: «النماذج تتعلم التكاثر»

هذه استعارة جذابة وليست وصفاً دقيقاً. فالنماذج لا تقرر أن تتكاثر ولا تختار شريكاً ولا تحدد هدفها. نظام خارجي صممه بشر هو الذي يفرض المجموعة الأولية ودالة اللياقة وقواعد الانتقاء ونوع الطفرة وتواترها وقاعدة التزاوج وموارد الحوسبة ومعيار التوقف. فالخوارزمية تنتج متجهات معاملات جديدة وفق قواعد مبرمجة سلفاً، دون تكاثر ذاتي بالمعنى البيولوجي أو بمعنى «الوكيل المستقل». ومثل هذه اللغة تحديداً هي ما يحذر منه باحثون عند الحديث عن سرديات الذكاء الاصطناعي المضخمة، لأن المفردات تصنع التصور العام.

ثانياً: «دون تدريب»

الصياغة غير صحيحة. الأدق أن نقول: دون انتشار عكسي ودون حساب مباشر للتدرجات. فالتطور نفسه شكل من أشكال التحسين، أي من التدريب: يُختبر كل نموذج ثم يُنتقى أو يُقصى، وتعدَّل معاملاته أو بنيته عبر الأجيال. وقد تكون كلفة الحوسبة مرتفعة، لأن المطلوب تقييم مجموعة كاملة من المرشحين بدل تحديثات موجهة على نموذج واحد. بل إن دراسة في «نيتشر كوميونيكيشنز» بينت أن التطور العصبي القائم على طفرات عشوائية صغيرة وانتقاء بحسب الخسارة يعادل رياضياً، في المتوسط وفي بعض الأنظمة، انحداراً تدريجياً مشوشاً، وهو ما يخفف من التقابل الساذج بين «التطور» و«التعلم بالتدرج».


ثالثاً: «نقاط القوة تُجمع تلقائياً»

هذه هي العقدة التقنية الأساسية، وهي ليست خاصية مكتسبة. فدمج أوزان شبكتين ناجحتين مباشرة يفشل في الغالب، لأن شبكتين قد تؤديان الدالة نفسها بخلايا عصبية مرتبة بشكل مختلف، فيؤدي الدمج الساذج إلى تحطيم التمثيلات الداخلية المفيدة. ويسمى ذلك «مشكلة التبديل». وتسعى أبحاث حديثة إلى تصميم عوامل تزاوج أقل تخريباً، بمحاذاة وظيفية للخلايا العصبية أو بتزاوج في فضاء السلوك لا في فضاء الأوزان. وقد أفادت دراسة نشرت سنة 2024 بأن عوامل تزاوج مكيفة لكل زوج من الشبكات حسنت نتائج خوارزمية جينية مقارنة بنسخة بلا تزاوج على عدة مجموعات بيانات، لكنها استعملت أيضاً طفرة قائمة على خوارزمية «آدم» أي على التدرج. فهي لا تؤيد إذن فكرة نظام خالٍ تماماً من التدرجات.


بين الرسالة الرائجة والصياغة الدقيقة

  • «الذكاء الاصطناعي ينجب أبناء»: استعارة، والصحيح أن خوارزمية تولد مرشحين جدداً بإعادة تركيب معاملات أو بنى.
  • «لا خطوة تدرج واحدة»: ممكن في بعض البروتوكولات، لكن كثيراً من الأساليب الحديثة هجينة.
  • «اختراق جديد»: مضلل، فالتطور العصبي يعود إلى عقود، والتقدم الحالي يخص الحجم وعوامل التزاوج والتهجين.
  • «نموذجان يجمعان قوتيهما بشكل طبيعي»: غير مؤكد، فدمج الأوزان هش ويتطلب آليات محاذاة خاصة.
  • «سيحل محل تدريب النماذج اللغوية الكبرى»: غير مثبت، فالانتشار العكسي ما زال الأداة المركزية لتدريبها بكفاءة.

أين تفيد هذه المقاربة فعلاً

يكون التطور العصبي مفيداً خصوصاً عندما تكون دالة الهدف غير قابلة للاشتقاق أو متقطعة أو يتعذر الوصول إليها، وعندما يأتي التقييم من محاكي أو لعبة أو روبوت، وعندما يكون الهدف استكشاف بنى أو سياسات وكلاء أو معاملات فائقة، وعندما يمكن توزيع تقييم آلاف المرشحين على حواسيب كثيرة، أو حين نبحث عن سلوكات متنوعة لا عن أسرع حل أمثل محلياً فقط. وقد حققت نتائج منافسة في بعض مسائل التحكم والتعلم المعزز، إذ بينت أبحاث الخوارزميات الجينية أنها منافسة في بعض ألعاب «أتاري» وفي التحكم المستمر، مع قابلية كبيرة للتوزيع، لكنها قد تحتاج إلى تقييمات وموارد حوسبة أكبر.

الزاوية الأجدر بالمتابعة

الإشارة التي تستحق الانتباه ليست «الذكاء الاصطناعي يتكاثر»، بل ظهور أنظمة تحسين هجينة: تطور يستكشف البنى والاستراتيجيات، وتدرجات تصقل الحلول الواعدة بسرعة، ودمج للنماذج ومحاذاة للتمثيلات للحفاظ على القدرات المفيدة، وانتقاء متعدد الأهداف يوازن الأداء والكلفة والمتانة والأمان والتنوع السلوكي. وهنا يكمن الرهان الصناعي: ليس استبدال تدريب النماذج اللغوية غداً بـ«انتقاء طبيعي رقمي»، بل أتمتة أوسع للبحث عن النماذج وبنيتها ودمج الكفاءات والتكيف مع بيئات يغيب فيها التدرج أو يقل نفعه.

الخلاصة: يطور باحثون طرقاً في التطور العصبي تحسن الشبكات بالانتقاء والطفرة وأحياناً بإعادة التركيب، دون انتشار عكسي مباشر. وهذا ليس تكاثراً ذاتياً مستقلاً ولا قطيعة حديثة، وما زال التحدي في الحفاظ على القدرات المفيدة عند تزاوج الشبكات وفي بلوغ حجم النماذج التأسيسية.




المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/98257184/neuroevolu...



Rss
Twitter
Newsletter