تتزايد الأسئلة في الأوساط الأكاديمية والإعلامية حول ما إذا كان التدين، وخصوصًا المواظبة على حضور الشعائر الجماعية، يشكّل رصيدًا حقيقيًا للصحة النفسية أم أنه مجرد انطباع اجتماعي تعززه الخطابات الدينية والمؤسسات الروحية. يستند كثير من الأدبيات النفسية والاجتماعية إلى فرضية مفادها أن الانخراط الديني يوفر دعمًا اجتماعيًا، ومعنى للحياة، وإطارًا لسلوك صحي يحد من التدخين وتعاطي الكحول والمخدرات، بما ينعكس إيجابًا على الحالة النفسية وجودة الحياة، غير أن دراسة حديثة أعادت فتح هذا النقاش من زاوية منهجية مختلفة، وطرحت تساؤلات دقيقة حول قوة هذه العلاقة وحدودها الفعلية بين الأفراد في المجتمعات المعاصرة.
الدراسة التي قادتها الباحثة غابرييلا براتي من جامعة بولونيا اعتمدت على بيانات مسحية طويلة الأمد ضمن مشروع «Understanding Society – British Household Panel Survey» الذي نفذته جامعة إسكس في بريطانيا، وهو ما أتاح تتبع مسارات أشخاص على امتداد 18 دورة بحثية بين عامي 1991 و2009، مع عشر موجات قياس شملت سؤالًا بسيطًا عن تواتر حضور الشعائر الدينية داخل دور العبادة، إلى جانب مقاييس معيارية للصحة النفسية والرضا عن الحياة. بلغت نسبة المشاركين الذين يصرحون بحضور منتظم أو متكرر للطقوس بين 11 و16 في المئة في كل دورة تقريبًا، بينما أشار نصف العينة إلى ثلثيها إلى أنهم لا يرتادون أماكن العبادة مطلقًا، وهو ما يقدّم صورة عدديّة عن موقع الدين الممارس جماعيًا في مجتمع متقدم ذي طابع علماني نسبيًا مثل المملكة المتحدة.
تميّز هذا العمل بإدماج متغير الحضور الديني داخل نماذج إحصائية تتبع التغيرات داخل الشخص نفسه على مدى الزمن، بدل الاكتفاء بالمقارنات الأفقية بين متدينين وغير متدينين في لحظة واحدة، ما يسمح بفصل أفضل بين تأثير العوامل الصحية والشخصية السابقة وبين أي أثر محتمل للمشاركة الدينية على الصحة النفسية. شملت العينة بالغين بمتوسط عمري قدره 44 عامًا في أول قياس، مع نسبة تقارب 38 في المئة صرحت بانعدام أي انتماء ديني، بينما توزّع الباقون بين الكنيسة الأنغليكانية والكنيسة الكاثوليكية والتيارات البروتستانتية الأخرى. هذا التنوع ضمن بيئة يغلب عليها الإرث المسيحي أتاح اختبار الفرضيات الشائعة حول ارتباط الانتماء والمواظبة الدينية بتحسّن المزاج العام والرضا عن الحياة، وإن ضمن أفق ديني واحد تقريبًا.
النتيجة الأساسية التي خلصت إليها براتي كانت أقل انسجامًا مع ما تذهب إليه قراءات سابقة؛ إذ لم تسفر النماذج التي تتبعت تأثير حضور الخدمات الدينية على مؤشرات الصحة النفسية والرضا الذاتي عن وجود أثر واضح ومستقر يمكن نسبته لهذا الحضور. وقد صيغت الخلاصة بأن نتائج الدراسة تضع علامات استفهام حول افتراض «فرادة» الدين وخدماته الجماعية في مجال تعزيز الصحة النفسية، وتقترح أن الرابط الذي جرى الترويج له في دراسات مقطعية أو أقل طولية قد يكون أضعف مما يُعتقد أو مشروطًا بسياقات خاصة لا تنطبق على الجميع.
لفهم هذه النتيجة، طرحت الباحثة مجموعة من التفسيرات المحتملة، أولها أن مجرد التواجد في مكان عبادة لا يعني تلقائيًا المرور بتجربة تواصل إيجابي؛ فالعلاقات داخل الجماعة الدينية قد تتراوح بين الدعم القوي والتوتر أو الإقصاء، ما يجعل الأثر النفسي متباينًا في الاتجاه والقوة. تفسير آخر يرتبط بتطور المناهج؛ فجزء من الدراسات التي سبقت العمل الإيطالي اعتمد على لقطات زمنية قصيرة أو عينات محدودة، بينما يسمح المسار الممتد على 18 عامًا بتقليص تأثير العوامل المربكة غير المرئية التي قد تخلق انطباعًا زائفًا بوجود فائدة ثابتة للحضور الديني.
عامل ثالث يعود إلى طبيعة البيئة البريطانية التي توصف غالبًا بأنها أكثر علمانية من مجتمعات أخرى، وهو ما قد يعني أن من يواظب على الحضور الديني ينتمي إلى أقلية ثقافية لا تستفيد بالضرورة من نفس مستوى التعزيز الاجتماعي الذي قد يحظى به المتدين في بيئات يغلب عليها التدين. كما أشارت براتي إلى أن تباعد فترات القياس ربما لم يسمح باقتناص أثر قصير المدى محتمل، إذ قد يشعر الفرد بتحسن محدود في المزاج بعد صلاة أو قداس، لكن هذا الأثر لا يدوم طويلًا ولا ينعكس على المؤشرات الدورية المستخدمة في الاستبيان.
خارج الإطار الكمي البحت، يفتح النص المنشور في مجلة «Psychology Today» المجال للتذكير بأن مشاركة الفرد في مؤسسة دينية لا تخلو من أوجه سلبية محتملة؛ فالمعايير الأخلاقية الصارمة قد تولّد شعورًا بالذنب أو الفشل لدى من يعتقد أنه قصّر في الالتزام بتعاليم الجماعة أو نمط الحياة الصحي الذي تشجع عليه. كما يمكن أن تنشأ توترات داخلية إذا تبنّت قيادات دينية مواقف يعتبرها الفرد مناقضة لقناعاته، الأمر الذي يمس جزءًا من هويته المرتبطة بالانتماء الديني ويفتح الباب أمام مشاعر الحيرة أو الخيبة، فضلًا عن التعقيدات التي تبرز في العلاقات الأسرية والزوجية عندما تختلف المرجعيات الدينية بين الطرفين.
إلى جانب ذلك، يلفت المقال إلى أن القياس في الدراسة اقتصر على تواتر الحضور، بينما تبقى الفروق كبيرة بين الأديان والتيارات والممارسات من حيث الرؤية الكونية، ومساحات التسامح، ومفهوم الطاعة والحرية الفردية، وهي عناصر قد تؤثر بقوة في أثر التدين على التوازن النفسي. كما لم تشمل الأداة المستخدمة سلوكيات صحية ملموسة مثل الانضباط الغذائي أو تجنّب المواد الضارة أو نمط النوم، وهي عناصر غالبًا ما توظفها الجماعات الدينية لتشجيع نمط عيش ينعكس على الصحة الجسدية والنفسية في آن.
مع ذلك، لا يرفض المقال تراكم الأدلة التي تربط بين التدين وبعض أشكال الرفاه النفسي، بل يدعو إلى قراءة أكثر حذرًا ومعيارية، فالعمل الطولي الإيطالي يقدم نموذجًا لبحوث تسعى إلى فصل العامل الديني عن شبكة أوسع من المؤثرات مثل الدعم الاجتماعي، والوضع الاقتصادي، والتجارب الحياتية الصادمة، وطريقة العيش اليومية. ومن منظور عملي، يخلص الكاتب إلى أن الاعتماد الحصري على حضور الشعائر كوسيلة لتحسين الحالة النفسية قد يكون رهانًا محدود العائد، في حين يمكن للإنسان أن يبلور إحساسًا بالمعنى، ويطور مرجعية أخلاقية شخصية، ويعزز نمط حياة متوازنًا، سواء داخل إطار ديني مؤسسي أو خارجه.
يبقى المجال مفتوحًا أمام أبحاث أكثر تفصيلًا تربط بين أنماط التدين الخاصة بكل ثقافة والبنى الاجتماعية السائدة ومستوى التدين العام في المجتمع، مع إدماج مؤشرات نوعية أعمق تتجاوز سؤال «كم مرة تحضر؟» نحو أسئلة تتعلق بطبيعة العلاقة مع المقدس، ونوع الخطاب السائد داخل الجماعة الدينية، وطريقة ترجمة المعتقد إلى ممارسات حياتية يومية. وفي انتظار مثل هذه الأعمال، تبدو الرسالة التي يحملها المقال موجهة إلى الأفراد بقدر ما هي موجهة إلى الباحثين، فالصحة النفسية، كما يرد في خاتمته، نتاج مركب لعوامل متعددة، والدين – حضورًا أو غيابًا – ليس سوى عنصر من عناصر عديدة يمكن للإنسان أن يوظفها بحثًا عن قدر أكبر من السكينة الداخلية وحياة أكثر اتساقًا مع قيمه وسلوكه اليومي.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/96539506/-religion-m...

لغز الشحنة النووية على متن السفينة الروسية الغارقة في المتوسط
