يتتبع الحوار المطول مع الفيلسوفة الألبانية ليا يوبي، المنعقد في Collège de France في باريس، مسارًا فكريًا يجمع بين السيرة الذاتية، وتجربة الأنظمة الشمولية في ألبانيا، ونقد الرأسمالية المعاصرة، ومحاولة بلورة مشروع «اشتراكية أخلاقية» بوصفه صيغة ديمقراطية راديكالية بديلة عن كلٍّ من الاشتراكية الدولتية والرأسمالية النيوليبرالية. تنطلق يوبي من موقع أكاديمي راسخ، بصفتها أستاذة للفكر السياسي في London School of Economics وحاملة لكرسي سنوي في Collège de France مخصص لإعادة التفكير في الاشتراكية في القرن الحادي والعشرين، معتمدة على تكوين متعدد اللغات والثقافات سمح لها بقراءة التاريخ الأوروبي من الداخل ومن الهامش في آن واحد.
في خلفية هذا المشروع النظري تحضر بقوة تجربة ألبانيا الشيوعية تحت حكم أنور خوجه، كما ترويها يوبي في كتبها الصادرة بالفرنسية عن طفولتها داخل نظام يقدّم نفسه بوصفه مجتمعًا محرَّرًا بينما يعيش أفراده تحت رقابة مكثفة وخوف دائم. تكشف الكاتبة، من خلال أرشيفات الشرطة السياسية وقصص عائلتها، كيف تحوّل «التحرر» إلى امتياز نخبوي، وكيف استبدلت السلطة الدينية القديمة بعقيدة سياسية مغلقة جعلت من الحزب وزعيمه موضوعًا لإيمان شبه لاهوتي في بلد أُغلقت فيه المساجد والكنائس وأُلغي حضور الدين من المجال العام. هذا الفراغ الروحي، كما تصف، لم يُلغ الحاجة الإنسانية إلى معنى يتجاوز الفرد، بل ملأته أيديولوجيا الدولة، ليظهر بعد سقوط النظام على شكل أزمة وجودية، تتجلى في اللامبالاة أو في الانجذاب إلى نزعات متطرفة وحنين ماضوي إلى مجتمع متجانس متخيَّل.
تصف يوبي مرور ألبانيا من شمولية «عمودية» قائمة على الحزب والأجهزة الأمنية إلى نوع مختلف من الإخضاع بعد سقوط الشيوعية، حين اجتاحت الخصخصة العشوائية والمافيات والعنف الاقتصادي الحياة اليومية، فاستُبدلت أشكال من التضامن القائم على الندرة والتضحية بعلاقات سوقية تجعل كل خدمة وكل رعاية قابلة للبيع والشراء. ترى أن هذا التحول لم يؤدِّ إلى تحرر فعلي، بل إلى «تسليع» شامل للعلاقات البشرية وخلق تفاوتات حادة في القدرة على الوصول إلى ما كان سابقًا جزءًا من نسيج الحياة الجماعية، من رعاية المسنين إلى الاهتمام بالأطفال والأنشطة الاجتماعية. بهذا المعنى، يظهر الاستبداد الرأسمالي كقمع أفقي يمر عبر الخدمات والعقود والأسعار، لا فقط عبر زنازين جهاز أمني مركزي.
في قلب نقدها للرأسمالية تميّز يوبي بين «حرية الاختيار» و«حرية الفعل»، معتبرة أن النظام السائد يحترم الأولى شكليًّا عبر تعدد السلع والخيارات الاستهلاكية لكنه يقوّض الثانية عبر البنى الاقتصادية التي تحرم الأفراد من القدرة الأخلاقية الفعلية على تقرير نتائج أفعالهم. تستعيد كذلك الإرث الفكري لمجتمع التجارة كما صاغته أدبيات من نوع برنارد ماندفيل، حيث يُفترض أن الرذائل الخاصة تتحول تلقائيًا إلى فضائل عامة، وترى في هذا التصوّر اختزالًا للعلاقات الأخلاقية في سوق للسلع والفرص لا يضمن عدالة في توزيع القدرة على اتخاذ القرارات المصيرية. لهذا تؤكد أن الحرية التي يقدّمها الرأسمالية، حين تبقى محصورة في الاستهلاك والتنقل الانتقائي، هي حرية «للأشياء» أكثر مما هي حرية «للأشخاص» في أفق إنساني متساوٍ.
على الضفة المقابلة، تعود يوبي إلى إرث الاشتراكية الدولتية، لا لكي تعيد إنتاجه، بل لتشخيص مأزقه الداخلي من خلال نقد روزا لوكسمبورغ للثورة الروسية، حيث قادت مركزية الحزب والبيروقراطية إلى تضييق مشروع التحرر على فئة محدودة من النخبة الحزبية. تستعيد سيرة جدها، الاشتراكي الألباني الذي انتمى للحركة العمالية الأوروبية وقضى خمسة عشر عامًا في السجون الشيوعية، مثالًا على جيل ظلّ متمسكًا بنقد الرأسمالية مع رفضه في الوقت نفسه للطغيان باسم الاشتراكية. في هذا المسار ترى يوبي أن اختزال التاريخ إلى «إرادة» طبقة أو حزب، كما في بعض قراءات التروتسكية واللينينية، جعل من «التاريخ» إلهًا جديدًا يعلو على المعايير الأخلاقية، فتُبرَّر انتهاكات جسيمة بحجة الضرورة التاريخية أو الحتمية الثورية.
من هنا تطرح يوبي مفهوم «الاشتراكية الأخلاقية» أو «الديمقراطية الراديكالية» كبديل يقوم على ربط السياسة بالمبدأ الأخلاقي، لا على فصلهما بحجة صراع الطبقات أو متطلبات الشرعية الثورية. تستند في ذلك إلى تقليد الأنوار، لا بوصفه عقيدة أوروبية مكتملة، بل مشروعًا مفتوحًا يقوم على مبدئين: التفكير الذاتـي الحر، والقدرة على تخيّل الذات في موقع كلّ الآخرين. تعتبر أن المشكل ليس في أن العالم عرف مشروع الأنوار بل في أن هذا المشروع لم يُستَكمل قط، إذ تمّ توظيفه في مشروع إمبريالي استعماري بدل أن يطبَّق على البشرية جمعاء دون تمييز. من هذا المنظور، يصبح الدفاع عن الكونية الأخلاقية ضرورة لمواجهة الموجة الهوياتية والخصوصيات المغلقة التي تُقدَّم اليوم كجواب على أزمات العولمة.
في هذا السياق تستعيد يوبي أسماء مثل فرانتس فانون وإيمي سيزير لتبيان أن نقد الاستعمار والعنصرية جرى في كثير من الأحيان باسم القيم الكونية نفسها التي ادعت أوروبا احتكارها، ما يعني أن الأنوار ليست ملكًا حصريًا لمركز جغرافي أو حضاري بعينه. وترى أن ربط الفلسفة الأوروبية الكلاسيكية مسؤوليةً مباشرة بكل ممارسات الإمبراطوريات الحديثة يفضي إلى تبرئة البنى السياسية والاقتصادية الملموسة، عبر تحميل «النصوص» وحدها عبء التاريخ. لذلك تدعو إلى إعادة قراءة كانط وهيغل وماركس وغيرهم بوصفهم موارد فكرية يمكن انتزاعها من استحواذ القوى القائمة وتوظيفها في مشروع تحرري جديد.
على المستوى الأوروبي المعاصر، تتوقف يوبي عند «بيان فنتوتيني» الذي صاغه ألتيرو سبينيلي ورفاقه سنة 1941 في جزيرة إيطالية كان يُعتقل فيها المعارضون للفاشية، وترى فيه نصًا تأسيسيًا مزدوجًا: نقدًا جذريًا للنزعة القومية الاستبعادية، ودعوةً إلى بناء فضاء سياسي فوق قومي يَخضَع فيه الاقتصاد الخاص لرقابة المصلحة العامة. تذكّر بأن هذا النص، المكتوب على أوراق سجائر في ظلّ الحرب، مهّد للتصور الفيدرالي لأوروبا ما بعد 1945، ولأفكار شكلت لاحقًا قاعدة لمناقشات حول الاتحاد الأوروبي وشرعية مؤسساته. في المقابل، تشير إلى أن تصريحات زعماء من أقصى اليمين الأوروبي، مثل جورجيا ميلوني عندما أعلنت أن «أوروبا فنتوتيني ليست أوروبا التي تريدها»، تعكس رغبةً واضحة في استبدال هذا الأفق الكوني بحلول قومية منغلقة.
يرتبط هذا التحليل بنقد يوبي لما تسميه «عصر اللاعقلانية»، حيث يتقاطع صعود قادة مثل دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وبنيامين نتنياهو وخافير ميلي مع تراجع الحاجة حتى إلى تبريرات أخلاقية للحرب واستخدام القوة. ترى أن الفارق بين حرب العراق مطلع الألفية والحروب والتهديدات الراهنة يكمن في أن الخطاب السياسي لم يعد يشعر بضرورة التذرع بمنظومة قانونية أو أخلاقية دولية، بل يكتفي بمنطق الغلبة المجردة. بهذا المعنى، تعود صورة «داروين اجتماعي» جديد يقدّم «قانون الأقوى» كقاعدة للعلاقات الدولية والداخلية، في قطيعة مع الوعد الكوني للأنوار الذي منح الأولوية لقدرة البشر على التعقل لا لعنفهم.
تربط يوبي هذا المنعطف أيضًا بانهيار منظومة ما بعد الحرب العالمية الثانية، من الأمم المتحدة إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي وُلدت في أجواء مشابهة لتلك التي كتب فيها سبينيلي بيانه، ودفعت ثمن رعب المحارق والديكتاتوريات النازية والفاشية. تستحضر في هذا السياق رمزية أسماء مثل موريس هالبفاكس وهنري ماسبيرو، الأستاذين في Collège de France اللذين ماتا في المعتقلات النازية، بوصفهما مثالين على ثمن تُدفعه النخب الفكرية في مواجهة تحالف «حضارة» مزعومة مع ممارسات إبادة ممنهجة. وترى أن الوفاء لذكراهم يقتضي اعتبار الماضي مصدرًا لتوجيه المستقبل، لا مجرد مادة تذكارية، وهو ما يلتقي مع أطروحات فالتر بنجامين حول «ومضة الماضي» التي تشتعل في لحظات الخطر.
في هذا الإطار، يصبح ربط الأخلاق بالسياسة شرطًا لبناء شرعية قابلة للاستمرار؛ إذ تؤكد يوبي أن كل مشاريع التغيير التي تُهمِّش البعد الأخلاقي، مهما حققت من انتصارات تكتيكية، تنتهي إلى فقدان الدعم الاجتماعي وتفسح المجال أمام ثورات مضادة أشد قسوة. لذلك ترى أن العمل السياسي الفعّال اليوم يمرّ عبر مشروع تربوي وثقافي يهدف إلى بناء «هيمنة أخلاقية» بالمعنى الغرامشي، لا الاكتفاء بمنطق الطليعة السرية أو الانقلابات الفوقية. في هذا التصور، تغدو الاشتراكية الأخلاقية امتدادًا راديكاليًا لروح الأنوار: دفاع عن الكرامة في كل الأنظمة، وإصرار على أن التحرر لا يتحقق عبر استبدال استبداد عمودي بحكم السوق، بل عبر إعادة تنظيم المؤسسات بحيث لا تصبح معاملة البشر كوسائل أمرًا بنيويًا مستحيلًا.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/96539093/l...

إعادة التفكير في لغة «المرض النفسي» في زمن التشخيص المفرط
