تقدم منصة «بيغ ثينك» عرضًا مكثفًا لكتاب جديد للطبيب والكاتب الأسكتلندي غافن فرانسيس بعنوان «العقل غير الهش»، يتناول فيه التحولات العميقة في التعامل مع الاضطرابات النفسية، من اللغة المستخدمة في وصف المعاناة إلى آليات التشخيص والعلاج المنتشرة في الأنظمة الصحية المعاصرة. ينطلق الكتاب من مفارقة أساسية: تزايد غير مسبوق في معدلات التصنيف والتشخيص، يقابله قدر كبير من الالتباس حول المعنى الفعلي لما يُسمى «مرضًا نفسيًا»، وحول ما إذا كانت ثقافة الطب النفسي الحديثة تساعد الأفراد فعلًا أم تضيف طبقة جديدة من الوصم والتجريد.
يعتمد فرانسيس، وهو طبيب عام مارس المهنة لثلاثة عقود، على خبرة ميدانية مع المرضى وعلى حوارات مع أطباء نفسيين ومعالجين وباحثين، ليبين أن انتشار الأدوية النفسية ومقاييس التقييم والمعايير الإرشادية لم يواكبه دائمًا نقاش مجتمعي حول تجربة المعاناة ذاتها. يلفت الكاتب إلى أن ما بين ربع وخمس الشباب في بريطانيا يُصنَّفون اليوم كمصابين باضطراب نفسي، وأن واحدًا من كل أربعة بالغين يتناول دواءً نفسيًا، وهي أرقام تعكس توسعًا كبيرًا في استعمال التصنيفات الطبية وتعميم وصف الشدائد الحياتية بلغة المرض. يقرأ فرانسيس هذه المعطيات بوصفها إشارة إلى اتساع «لغة المرض» أكثر مما هي مؤشر مباشر إلى تغير جذري في بنية النفس البشرية أو حجم المعاناة الفعلية.
يقدّم الكتاب قراءة تاريخية لمسار الطب النفسي، من المؤسسات المغلقة والمدارس التحليلية الأولى وصولًا إلى هيمنة دليل التشخيص الإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM) ونماذج «المرض الدماغي» المعاصرة. ويعرض المؤلف كيف ساهمت هذه المراحل في تكوين مفردات محددة يتم من خلالها الحديث عن الحزن، القلق، الصدمة، الإدمان، وتقلبات المزاج، بحيث غدت فئات تشخيصية جاهزة، أكثر منها توصيفات دقيقة لتجارب فردية متباينة. في هذا السياق، لا يتوقف فرانسيس عند نقد النماذج البيولوجية الصرفة فحسب، بل يتناول أيضًا حدود المقاربات السلوكية والمعرفية حين تُختزل في بروتوكولات علاجية موحدة لا تفسح مجالًا كافيًا للتأمل في خصوصية كل حالة.
ينتقد الكتاب اعتماد أنظمة الرعاية الصحية على نماذج إدارية واقتصادية تجعل من سرعة التشخيص ووصف الدواء خيارًا مفضلًا، في ظل ضغوط الوقت والتكاليف، مقابل استثمار أقل في الاستماع المطوّل والعلاج النفسي الطويل الأمد. ويشير فرانسيس إلى أن شركات الأدوية وأطرافًا أخرى استفادت من هذا التوجه، إذ أصبح وصف مضادات الاكتئاب والقلق حلًّا أوليًا وشبه تلقائي لكثير من أشكال الضيق النفسي، حتى في الحالات التي قد يكفي فيها التدخل الاجتماعي أو النفسي غير الدوائي. غير أن الكتاب لا يستخدم لغة الإدانة، بل يحاول رسم صورة مركبة لعلاقة معقدة بين الأطباء، الأنظمة الصحية، الصناعة الدوائية، والتوقعات الاجتماعية من الطب.
في قلب المشروع يقع نقاش حول اللغة ذاتها: هل من المناسب وصف تجارب مثل الحزن على فقدان أو ضغوط الحياة اليومية بمصطلحات مرضية ثقيلة؟ يتبنى فرانسيس مفهوم «العقل غير الهش» ليؤكد أن الذهن البشري قادر على التكيف، وأن المرور بمحطات الألم والقلق لا يعني بالضرورة وجود «عطب» يستدعي تصنيفًا مرضيًا وعلاجًا دوائيًا دائمًا. يستعير المؤلف أحيانًا من أدبيات «اللافَرَط الهشاشة» التي تبلورت مع ناصيم طالب، ليشير إلى أن التعرض لمحن محدودة قد يسهم في بناء قدر من الصلابة النفسية، ما دام ذلك يجري في بيئة توفر دعمًا وعلاقات إنسانية آمنة.
لا ينكر الكتاب واقع الاضطرابات النفسية الشديدة والحاجة الملحة إلى علاجها بجدية، لكنه يميّز بين هذه الحالات وبين توسيع متواصل لحدود التشخيص ليشمل طيفًا واسعًا من تجارب الحياة. يخشى فرانسيس من أن تتحول اللغة الطبية إلى عدسة وحيدة، فيجري التعامل مع كل سلوك غير مريح أو انفعال حاد كإشارة إلى «خلل»، بدل أن يكون حافزًا لفهم أعمق للعلاقة بين الفرد وبيئته الاجتماعية والثقافية. يلفت كذلك إلى أن بعض المرضى لا يجدون في التشخيص راحة، بل يشعرون بأن حياتهم أُعيدت صياغتها في قوالب ضيقة، وأن هويتهم باتت مرتبطة بلقب تشخيصي أكثر منها بسرديتهم الشخصية.
من زاوية مهنية، يقدم الكتاب مادة ثرية للنقاش حول دور الصحافة في تغطية قضايا الصحة النفسية، إذ يطرح سؤالًا عن مسؤولية الإعلام في تبني أو تفكيك لغة «المرض» السائدة. يعرض النص المنشور على «بيغ ثينك» الكتاب كدعوة إلى استعمال كلمات أكثر حذرًا عند الحديث عن المعاناة، بحيث لا يتحول التناول الصحفي إلى إعادة إنتاج أو توسيع غير نقدي لقوائم التشخيص الطبية. كما يفتح المجال أمام تناول أوسع لقضايا مثل الإفراط في وصف الأدوية، تأثير شركات الأدوية في تشكيل الخطاب العام، ومكانة تجارب المرضى أنفسهم في مقابل سلطة الخبراء.
يرى فرانسيس أن التعامل مع الاضطرابات النفسية يتطلب مزيجًا من التواضع المعرفي، الإصغاء المتأني، والانفتاح على مقاربات متعددة، طبية ونفسية واجتماعية، بدل الاكتفاء بخطط علاجية ثابتة. ويقدّم عبر حالات عملية أمثلة على كيفية بناء علاقة علاجية قائمة على الفضول والتعاطف والمرونة، حيث يُنظر إلى الشخص بما يتجاوز ملفه التشخيصي وأدويته. بهذا المعنى، يشكل «العقل غير الهش» محاولة لوضع أسئلة جديدة أمام ممارسي الطب النفسي وصانعي السياسات والكتّاب المهتمين بالشأن العام على حد سواء.
في ضوء هذا العرض، يتيح الكتاب نقطة انطلاق لطرح ملفات تحقيقية وتحليلية حول أثر التوسع في التشخيص، سياسات وصف الأدوية، واختيارات التغطية الإعلامية لقضايا الصحة النفسية، خاصة في بيئات تعيش تحولات اجتماعية وثقافية متسارعة. ويمكن النظر إليه كدعوة لإعادة بناء خطاب يوازن بين الاعتراف بواقع المعاناة وبين حماية الأفراد من الانحصار في أدوار مرضية ضيقة، مع منح أولوية لسردياتهم الذاتية وتجاربهم اليومية. هذه الأسئلة تبدو ذات أهمية خاصة لصحافة تحقق في الروابط بين الطب، الاقتصاد، والسياسة، وتسعى إلى تقديم رواية أكثر تركيبًا عن «الأزمة العالمية للصحة النفسية».
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/96501968/a...

الاشتراكية الأخلاقية والديمقراطية الراديكالية في فكر ليا يوبي
