في قاعة مركز المؤتمرات الملحقة بمجمع جامع الجزائر الكبير في العاصمة، ألقى البابا ليون الرابع عشر خطاباً أمام نحو 1400 من كبار المسؤولين السياسيين والدبلوماسيين وممثلي المجتمع المدني، في المحطة الثانية من يومه الأول في الجزائر ضمن جولة إفريقية تمتد من 13 إلى 23 نيسان 2026، تناول فيه مسألة العدالة والكرامة المتقاسمة بين سكان المنطقة بوصفها مدخلاً إلى استقرار يتجاوز التعب من الحرب نحو بناء سلم مستدام. وقدّم البابا زيارته الرسمية والرسولية بصفتها مناسبة لتشجيع الحوار بين المكونات الوطنية، وتأكيد مساهمة المؤمنين في العمل من أجل الخير العام ضمن الأطر القانونية للدولة.
الخطاب ركّز على موقع الجزائر باعتبارها جسراً جغرافياً وتاريخياً بين ضفتي المتوسط، وعلى كونها بلداً ذا غالبية مسلمة تعايشت في فضائه تيارات دينية وفكرية متنوّعة، ورأى في هذا المعطى رصيداً يمكن أن يسهم في تهدئة التوترات المحيطة وإعادة توجيه الطاقات نحو التنمية والتعاون الإقليمي. واستحضر البابا مسار الجزائر الحديث بما عرفه من تحولات سياسية واجتماعية متلاحقة، معتبراً أن تراكم هذه التجارب يمنح البلاد خبرة خاصة في التعامل مع المتغيرات الكبرى وطلبات الأجيال الجديدة على المشاركة والكرامة.
وتناول ليون الرابع عشر البعد الاقتصادي والاجتماعي في بناء السلام، رابطاً بين العدالة في توزيع الموارد وفرص العمل من جهة، وبين خفض منسوب التوتر الداخلي والحد من انتشار التطرف والهجرة القسرية من جهة أخرى، داعياً إلى نموذج تنمية يضع الإنسان في صلب السياسات العمومية. وأشار إلى الدور الذي تؤديه الجزائر في استقبال نازحين ولاجئين قادمين من أزمات إفريقية مختلفة، معتبراً أن هذا الحضور يعزّز ثقافة الضيافة ويعطي بعداً ملموساً لفكرة التضامن العابر للحدود.
كما احتل الفضاء المتوسطي حيّزاً واسعاً في الكلمة، حيث أعرب البابا عن قلقه من تزايد النزاعات وتدهور الأوضاع الاقتصادية والبيئية على ضفتيه، محذّراً من أن تحوّل البحر إلى مسار خطِر للمهاجرين يترك أثراً عميقاً في الضمير الجمعي للمنطقة. وطرح بالمقابل تصوراً لتعاون يقوم على شراكة متوازنة بين شمال المتوسط وجنوبه في مجالات الطاقة المتجددة وحماية البيئة وتبادل الخبرات التعليمية والثقافية، بما يحد من اختلالات القوى التقليدية ويمنح الأجيال الصاعدة أفقاً مشتركاً.
وتطرق الخطاب إلى مسألة الحريات الدينية والتعددية داخل المجتمعات ذات الغالبية المسلمة، حيث شدّد البابا على أن احترام قناعات كل فرد، مع ضمان مساحة عمل سلمية للمؤمنين بمختلف انتماءاتهم، عنصر أساسي في صون السلم الأهلي. وأوضح أن الكنيسة الكاثوليكية في الجزائر، على محدودية عدد أتباعها، تسعى إلى خدمة المجتمع المحلي في مجالات التعليم والصحة والعمل الاجتماعي، مع تجنب أي منطق تنافسي مع المكوّنات الدينية الأخرى.
وفي حديثه عن منطقة الساحل والجوار الإفريقي الأوسع، أشار ليون الرابع عشر إلى أن تراكم النزاعات المسلحة وتداخلها مع شبكات الاتجار بالبشر وبالسلاح يخلق بيئة هشّة يصعب على أي دولة التعامل معها بمفردها، داعياً إلى تنسيق أوسع بين الحكومات والهيئات الإقليمية والدولية لإطلاق مسارات حوار تضم الفاعلين السياسيين والاجتماعيين المحليين وتعالج أسباب الهشاشة من فقر وتهميش وضعف في البنى التحتية. وأبدى استعداد الكرسي الرسولي لمواكبة هذه الجهود عبر الدبلوماسية الهادئة وتشجيع المبادرات التي تجمع قيادات دينية من ضفتي المتوسط ومن عمق القارة الإفريقية.
كما تناول البابا قضية الهجرة غير النظامية من زاوية المسؤولية المشتركة، مفضلاً مقاربة تتجاوز منطق الإغلاق أو الفتح الكامل للحدود نحو إدارة واقعية للحركة البشرية، تمزج بين التعاون الأمني وسبل قانونية للهجرة والعمل وبرامج استثمار في بلدان الانطلاق لتقليص دوافع المغادرة القسرية. ورأى أن إشراك الكنائس المحلية والمؤسسات الإسلامية والجمعيات المدنية في بلدان العبور والاستقبال يمكن أن يسهم في توفير مرافقة إنسانية للمهاجرين والحد من استغلالهم من قبل شبكات الاتجار.
وعلى الصعيد الداخلي الجزائري، نوّه ليون الرابع عشر بالمسار الذي اعتمدته البلاد لترسيخ ثقافة المصالحة الوطنية بعد سنوات العنف خلال تسعينيات القرن العشرين، معتبراً أن الذاكرة المؤلمة تحتاج إلى عمل هادئ يدمج الضحايا وذويهم في النسيج الاجتماعي ويحوّل التجربة إلى درس جماعي للمستقبل. وربط بين هذا المسار وتجارب أخرى في المنطقة والعالم في مراجعة سجلات النزاعات الداخلية بما يسمح بتبادل الخبرات في إدارة المراحل الانتقالية.
واختتم البابا كلمته بالعودة إلى مفردات العدالة والأخوة والرحمة باعتبارها أدوات عملية يمكن ترجمتها إلى سياسات ومبادرات ملموسة، داعياً الحاضرين إلى التعامل مع التنوع الديني والثقافي في الجزائر والمنطقة على أنه فرصة لبناء عقد اجتماعي يتّسع للاختلاف في ظل القانون، ويحافظ في الوقت نفسه على خصوصيات كل مكوّن. وأعرب عن أمله في أن تمهّد هذه الزيارة لإعادة تنشيط قنوات الحوار وإطلاق مبادرات مشتركة بين مؤسسات الدولة والفاعلين الدينيين والمدنيين من أجل سلام يقوم على احترام متبادل وحقوق مضمونة للجميع.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/96038777/visite-pape...

ما هو دور الزوايا في الوساطة الاجتماعية وحل النزاعات؟
