تستعد مدينة تارودانت لاحتضان الدورة الحادية عشرة للموسم السنوي للمدارس العتيقة خلال الفترة الممتدة من الرابع عشر إلى الحادي والعشرين من أبريل الجاري، في موعد علمي وديني دأبت عليه مؤسسة سوس للمدارس العتيقة تحت شعار هذه السنة: السيرة النبوية: نبراس ومنهاج، بما يعكس توجها لإعطاء هذا التقليد بعدا معرفيا متجذرا في الواقع التعليمي والديني المحلي والوطني. ويقام هذا الموسم تحت الرعاية السامية لأمير المؤمنين الملك محمد السادس، بشراكة مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى وعمالة إقليم تارودانت، في امتداد لمسار من التنسيق المؤسسي حول وظيفة المدارس العتيقة في منظومة التعليم الديني بالمغرب.
وتشير المعطيات المتوفرة من الجهة المنظمة إلى أن اختيار موضوع السيرة النبوية لهذه الدورة يرتبط بالاهتمام المستمر الذي يبديه الملك محمد السادس بهذا الحقل المعرفي، انسجاما مع مضامين الرسالة الملكية الموجهة إلى المجلس العلمي الأعلى بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا قمريا على مولد الرسول محمد، وما تضمنته من دعوة إلى تجديد النظر في السيرة ضمن أفق يتجاوز الطابع الاحتفالي المحض. ويُقدَّم الموسم الحالي باعتباره محاولة لترسيخ مقاربة جديدة للسيرة النبوية، تنقلها من مستوى الاستحضار المناسباتي إلى مشروع معرفي ومجتمعي متكامل، يربط بين البحث العلمي وبين الأسئلة الأخلاقية والتربوية التي تطرحها التحولات الراهنة داخل المجتمع المغربي.
ويستند التصور العام للبرنامج إلى إبراز السيرة النبوية باعتبارها مجالا رحبا لاستلهام منظومة من القيم الأخلاقية المستمدة من الهدي النبوي، مع إيلاء عناية خاصة لصون الثوابت الدينية وتقوية الارتباط الروحي بالموروث الإسلامي كما تبلور تاريخيا في الفضاء المغربي، بما ينسجم مع المرجعية الدينية الرسمية وخيارات التدبير المؤسساتي للحقل الديني. وفي هذا الإطار، عملت مؤسسة سوس للمدارس العتيقة على إعداد برنامج علمي متنوع، يقوم على مقاربات متعددة التخصصات لظاهرة السيرة، تمتد من آليات التوثيق التاريخي إلى مساءلة دلالاتها المقاصدية والقيمية، في محاولة لربط مادة السيرة بمتطلبات الحاضر وأسئلته العملية.
ويتضمن البرنامج سلسلة من المحاضرات والندوات العلمية التي ستتناول محاور مرتبطة بتطور دراسة السيرة النبوية ومناهج التأليف فيها، مع التوقف عند المرحلتين المكية والمدنية من حياة الرسول، واستحضار نماذج من عناية العلماء المغاربة والسوسيين على وجه الخصوص بهذا الباب من التأليف والدرس، بما يتيح إعادة قراءة هذا الرصيد في ضوء الأدبيات الحديثة في علوم التاريخ والحديث والسيرة. كما تمت برمجة جلسات مخصصة للحديث عن القيم الإنسانية المستفادة من السيرة، من قبيل منظورات التعامل مع الاختلاف، وضبط العلاقة بين الفرد والجماعة، والتدبر في مفاهيم الرحمة والعدل والمسؤولية، إلى جانب نقاشات علمية موجهة لمعالجة شبهات معاصرة أثيرت حول السيرة، مع تقديم ردود مبنية على مناهج البحث في المصادر الأصلية وقراءة سياقاتها التاريخية.
وإلى جانب البعد الفكري، يشمل الموسم أمسيات دينية وقرآنية تشارك فيها مدارس عتيقة قادمة من مناطق مختلفة، في محاولة لإبراز تنوع التجارب المحلية داخل الفضاء الوطني، وإعطاء الطلاب والباحثين مساحة للتلاقي حول نصوص التلاوة والإنشاد المرتبطة بالمدرسة التقليدية المغربية. وتندرج في البرنامج أيضا زيارات ميدانية لعدد من المؤسسات التعليمية العتيقة في جهة سوس ماسة، من بينها المدرسة العلمية العتيقة المهادي بجماعة الكردان في إقليم تارودانت، وهو ما يُنتظر أن يساهم في تعزيز قنوات التواصل بين هذه المؤسسات، وتبادل الخبرات في مجالات التدبير البيداغوجي والحياة المدرسية وأساليب إدماج الطلبة في النقاشات العلمية الجارية حول قضايا الفكر الديني.
ويُنظر إلى هذا الموعد السنوي باعتباره مساحة لتجميع فاعلين دينيين وعلميين وبيداغوجيين حول موضوع واحد هو السيرة النبوية، مع محاولة ربط الدرس التقليدي في المدارس العتيقة بأدوات قراءة جديدة تستجيب لانتظارات أجيال من الطلبة والمهتمين، وتمنحهم أدوات أوسع لفهم تداخل الأبعاد التاريخية والروحية والفكرية لهذا الموروث. وفي انتظار اختتام فعاليات الدورة الحادية عشرة، تظل الأنظار متجهة إلى ما ستسفر عنه النقاشات والفعاليات من خلاصات عملية يمكن أن تستثمر في البرامج التعليمية للمدارس العتيقة وفي صيغ تواصلها مع المجتمع ومحيطها، بما يوسع من حضور السيرة النبوية في الوعي العام ضمن رؤية تراعي المعطيات الراهنة ولا تقطع مع الجذور المؤسسة لهذا التراث.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/96038515/%D8%A7%D9%8...

ما هو دور الزوايا في الوساطة الاجتماعية وحل النزاعات؟
