Articlophile.xyz | Agrégateur d'Actualités et Articles de Qualité

تكريم بابوي لضحايا العشرية السوداء في الجزائر


Rédigé le الثلاثاء 14 أبريل 2026 à 15:32 | Lu 0 commentaire(s)



كرّم البابا لاوون الرابع عشر، خلال زيارته الحالية إلى الجزائر، ذكرى الرهبان والراهبات والكهنة الذين قضوا خلال الحرب الأهلية التي عرفتها البلاد بين سنتي 1992 و2002، في محطة رمزية تعيد إلى الواجهة ملف العنف المسلح وما خلّفه من ضحايا في صفوف المدنيين والفاعلين الدينيين على حد سواء. وقد جاء هذا التكريم في إطار أول زيارة يقوم بها حبر أعظم إلى الجزائر، ما يضفي على الحدث بعدا دينيا وتاريخيا يهمّ علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالمجتمع الجزائري وتحوّلاته خلال العقود الأخيرة.



وخلال قداس في كاتدرائية “السيدة الإفريقية” في العاصمة الجزائرية، استحضر البابا أسماء تسعة عشر من الرهبان والراهبات والكهنة الذين قُتلوا خلال تلك الفترة، بينهم سبعة رهبان اختُطفوا ثم قُتلوا سنة 1996 في واقعة لا تزال ملابساتها موضوع روايات متباينة وتكهنات متجددة. وقد قدّم الحبر الأعظم هؤلاء بوصفهم أشخاصا اختاروا البقاء إلى جانب الجزائريين في لحظة كان فيها العنف معمما وعدم اليقين سيّد الموقف، معتبرا أن دماءهم شكلت بذرة متواصلة الأثر داخل الجماعة الكاثوليكية المحلية.

الكلمات التي ألقاها البابا في الكاتدرائية ركزت على فكرة الاستمرارية داخل الجماعة المسيحية في الجزائر، إذ تحدّث عن “جذور عميقة” تمتد إلى أجيال من الشهود الذين نذروا حياتهم للخدمة الروحية والعمل الاجتماعي في الأحياء الشعبية والقرى النائية. هذا الخطاب يستعيد سردية كنسية قديمة عن حضور كاثوليكي يتجاوز المراحل الاستعمارية وما رافقها من توترات، ليقدّم وجود الكنيسة في الجزائر بوصفه امتدادا لمسار ديني واجتماعي يسعى إلى ترسيخ أشكال من التعايش مع الأغلبية المسلمة.

زيارة البابا شملت أيضا التوقف في جامع الجزائر الكبير، في إشارة واضحة إلى الرغبة في إبراز البعد الحواري بين الأديان في بلد ظلّ ملفه الديني خلال العشرية الدامية مرتبطا بمواجهات بين جماعات مسلحة ومؤسسات الدولة، وبسجالات حول طبيعة المرجعية الدينية الرسمية ودور المساجد في الفضاء العام. هذا الانتقال من واحد من أكبر المساجد في إفريقيا إلى كاتدرائية تاريخية مطلة على خليج الجزائر يحمل إشارة رمزية إلى محاولة رسم مشهد ديني يقوم على الاعتراف المتبادل بين المرجعيتين الإسلامية والمسيحية ضمن حدود الاحترام والقانون الوطني.

ملف الرهبان الذين قُتلوا خلال الحرب الأهلية ظل، طوال السنوات الماضية، موضوع نقاشات في الأوساط الحقوقية والإعلامية، سواء داخل الجزائر أو في أوروبا، بسبب تضارب الروايات حول الجهة المسؤولة عن اغتيالهم، بين من ينسب الجريمة إلى الجماعات المسلحة ومن يتحدّث عن تورط عناصر من أجهزة الأمن. غير أن خطاب البابا آثر الإقامة في مستوى التكريم الروحي للضحايا، بعيدا عن الخوض في تفاصيل سياسية أو قضائية، مكتفيا بإبراز خيار البقاء إلى جانب السكان ومشاركة مخاوفهم وآمالهم خلال مرحلة غير مستقرة.

اختيار توقيت الزيارة ومضمون الرسائل التي حملها اليوم الأول أعادا إلى الأذهان حصيلة العشرية التي أوقعت مئات الآلاف من القتلى والمفقودين، وما انبثق عنها من أسئلة معلقة حول الذاكرة والعدالة الانتقالية وحدود المصالحة الوطنية. فالتوقف عند ضحايا من رجال الدين المسيحي يفتح الباب لتوسيع النقاش حول مكانة الضحايا الآخرين، من صحافيين وحقوقيين وفاعلين سياسيين ومواطنين عاديين، في سردية رسمية سعت إلى طيّ صفحة العنف من خلال قوانين العفو والتسويات.

كما أن تكريم هؤلاء الرهبان والراهبات في قلب العاصمة الجزائرية، بحضور رأس الكنيسة الكاثوليكية، يمنح الكنيسة فرصة لإعادة تأكيد رؤيتها لدور الأقليات المسيحية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، باعتبارها مكوّنا يسعى إلى العمل التربوي والخيري لا إلى منافسة المرجعية الدينية السائدة. في المقابل، يمنح السلطات الجزائرية مناسبة لتقديم صورة نظام سياسي يفتح المجال لمظاهر التعدد الديني المنضبط بنصوص قانونية تنظم ممارسة الشعائر، في وقت ما زالت فيه منظمات دولية تطرح أسئلة حول أوضاع الحريات الفردية والدينية في البلاد.

بهذه الرمزية المركّبة، يتحول تكريم ضحايا العشرية السوداء من رجال الدين المسيحي إلى محطة جديدة في مسار طويل من إعادة قراءة تلك المرحلة داخل الجزائر وخارجها، بين سرديات رسمية تسعى إلى تثبيت رواية المصالحة وسرديات بديلة تضع في الواجهة مطلب الحقيقة الكاملة حول جرائم الحرب الأهلية. وبين هذين المنظورين، تبدو زيارة البابا الحالية محاولة لربط الذاكرة بالدعوة إلى تعايش ديني وسياسي أكثر استقرارا، من دون أن تحسم الجدل القائم حول ماضي الصراع وطرق معالجة آثاره الممتدة في المجتمع الجزائري.




المصدر : https://www.soubha.com/news/i/96039430/%D8%A7%D9%8...



Rss
Mobile