المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

من أفغانستان وتركيا واليمن: صحافيون في المنفى السويسري يروون قصصهم


الخميس 13 أغسطس 2026 à 14:04 |




في كثير من دول العالم تتعرض حرية الصحافة والصحافيون لتهديدات أشد وطأة بكثير مما هو عليه الحال في سويسرا. غير أن العثور على ملاذ آمن لا يعني بالضرورة القدرة على مواصلة المهنة الصحافية؛ فالتحديات التي تواجه الصحافيين اللاجئين في الكونفدرالية الهلفيتية تبقى جسيمة. فقد فرّ هؤلاء من الاضطهاد أو الحرب أو القمع، وبعد حصولهم على حق الإقامة، وجدوا أمانًا يتيح لهم تغطية أوضاع بلدانهم الأصلية بحرية لم يكونوا يتمتعون بها من قبل. غير أن كثيرين منهم لا يملكون وسيلة إعلامية أو قناة تُوصل صوتهم إلى جمهورهم، فيما تحوّل العوائق في سوق العمل السويسري نشاطهم الصحافي في أغلب الأحيان إلى عمل تطوعي بلا دخل يُذكر، بل يضطر بعضهم أحيانًا إلى التخلي عن المهنة كليًا. التقت سويس إنفو بثلاثة إعلاميين يعيشون في المنفى بسويسرا.



نجيبة زرتشت، أفغانستان: تشرف نجيبة زرتشت منذ نهاية عام 2021 على رئاسة تحرير مجلة Afghanistan Women's Voice الإلكترونية، التي تنطلق من شقة صغيرة في ضواحي مدينة تسوغ السويسرية لتنسيق تغطية جريئة: رصد أوضاع النساء الأفغانيات، من منظور علماني نسوي، منذ سيطرة طالبان على الحكم في أغسطس 2021، في بلد باتت فيه الفتيات محرومات من التعليم بعد المرحلة الابتدائية، ومُقصيات عن معظم المهن. ونشرت المجلة تحقيقًا سرديًا طويلًا بعنوان «هوية مستعارة» يروي كيف دفعت الكراهية النسائية والتمييز امرأة تُدعى بنظير إلى العيش متنكرة في هيئة صبي. تدير زرتشت فريقًا من الصحافيات المحليات دون أن تتقاضى هي نفسها أي أجر، فيما تتلقى زميلاتها في أفغانستان مقابلًا ماليًا من جمعية سويسرية. ويظل فيسبوك القناة الأساسية للوصول إلى المجتمع الأفغاني داخل البلاد وفي الشتات، رغم أن الجمهور يتوخى الحذر عند التعليق على المواد الحساسة المتعلقة بالنظام. وتؤكد الصحافية أن رجالًا يبدو ارتباطهم بطالبان واضحًا يتواصلون بانتظام مع أسرة التحرير عبر ماسنجر، لكن سلطة الحركة لا تستطيع الوصول إليها في منفاها السويسري، على خلاف زميل لها في كابل تعرّض للتعذيب.


بيريهان كايا، تركيا: لولا موقف السلطات التركية، لكانت الصحافية الكردية التركية بيريهان كايا اليوم في سجن تركي لا في جنيف. فقد أصدرت محكمة تركية في وقت سابق من هذا العام حكمًا غيابيًا بسجنها بتهمة نشر ما وُصف بأنه دعاية لمنظمة إرهابية، استند - وفق منظمات دولية معنية بحرية الصحافة - إلى ثماني منشورات على فيسبوك تعود إلى عام 2015 و24 تغريدة غير مؤرخة. ولم تكن هذه أول مواجهة لكايا مع القضاء؛ إذ أمضت ثمانية أشهر في السجن قبل أن تنضم عام 2006 إلى وكالة أنباء كردية، بعد أن وقفت كدرع بشري بين مقاتلين أكراد والجيش التركي. وغطت كايا خلال مسيرتها الاحتجاجات، والنزاع الحدودي بين سوريا وتركيا في منطقة شرناق، والمواجهات المتكررة بين حزب العمال الكردستاني والجيش التركي. وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة على الرئيس رجب طيب أردوغان عام 2016، تضاعفت الملاحقات القضائية بحق الصحافيين المهتمين بالقضية الكردية، فغادرت كايا تركيا بعد وفاة والدها عام 2022 عبر طريق البلقان نحو سويسرا. تقول إنها لم تر أسرتها منذ أربع سنوات، وإن العودة باتت اليوم مستحيلة: فوفق منظمة مراسلون بلا حدود، اعتُقل 174 صحافيًا في تركيا خلال العقد الأخير، من بينهم سبعة في عام 2026 وحده. وتصف كايا تجربتها كطالبة لجوء بأنها «تجربة مروّعة، خصوصًا للنساء»، بعدما تعرضت لعنف من الشرطة الكرواتية أثناء رحلة فرارها، واضطرت لرفع قضيتها أمام المحكمة الإدارية الفدرالية السويسرية بعد أن حاولت الحكومة إعادتها إلى كرواتيا تطبيقًا لنظام دبلن. وحصلت كايا مؤخرًا على تصريح إقامة في سويسرا، لكنها لم تُعترف بها بعد كلاجئة، وما زالت الصعوبات قائمة، إذ تعمل بشكل متقطع فقط منذ وصولها، من بينها تعاون مع منصة Nupel Media الكردية التركية التي تتخذ من ألمانيا مقرًا لها، فيما لم تتمكن بعد من فرض نفسها في وسائل الإعلام السويسرية بسبب حاجز اللغة أساسًا.


صدام حامد أبو عاصم، اليمن: كان صدام حامد أبو عاصم يعيش في صنعاء حين سيطر الحوثيون على العاصمة اليمنية عام 2014. تعرّض هذا الصحافي المستقل بعدها لتهديدات متزايدة، من بينها اتصالات مجهولة وأسئلة عن شخصه طرحتها أجهزة أمنية على جيرانه، ما دفعه إلى الفرار نحو مدينة برن السويسرية عبر السعودية. يقول أبو عاصم إنه أدرك مدى صعوبة إيجاد عمل بعد وصوله، فاللغة كانت عائقًا في البداية، لكنها لم تعد كذلك اليوم؛ ومع ذلك لم يتمكن بعد من الاندماج في قطاع صحافي سويسري يمر بأزمة بنيوية. استأنف أبو عاصم دراسته الجامعية والتحق ببرنامج ماجستير حول الشرق الأوسط في جامعة برن، وخصص رسالته لأوضاع الصحافيين اليمنيين الذين فرّوا من بلدهم، ومن بينهم الصحافية سماح الشغدري التي شوّهها الحوثيون إعلاميًا واستقرت في ألمانيا منذ 2016، وتعمل حاليًا لمنصة Amal News متعددة اللغات، وهي - بحسب أبو عاصم - من الصحافيين اليمنيين القلائل الذين ما زالوا يعيشون أساسًا من عملهم الصحافي. ويرى أبو عاصم أن من الصعب فهم ضعف اهتمام وسائل الإعلام الأوروبية بتجربة الصحافيين المنفيين، مستثنيًا هولندا التي تضم مشاريع تجمع بين صحافيين لاجئين وزملاء محليين ضمن ثنائيات عمل. ويعتقد أن الخبرة التي يملكها هو وزملاؤه من اليمن يمكن أن تفيد الصحافة السويسرية: «نحن نعرف المجتمع هناك، ويمكننا مساعدة صحافيين آخرين في أبحاثهم وفي تغطية الحروب والأزمات»، لكن غياب الآفاق المهنية جعله يعمل اليوم بصفة نادرة كصحافي، إذ يشغل حاليًا وظيفة في قسم الاتصال بسفارة عربية في برن.


تكشف هذه الشهادات الثلاث نمطًا متكررًا: فبينما توفر سويسرا للصحافيين المنفيين أمانًا شخصيًا لا يتوفر في بلدانهم الأصلية، فإن غياب دخل مستقر، وصعوبة اختراق سوق إعلامي محلي يعاني أصلًا من أزمة اقتصادية، وحاجز اللغة، تدفع كثيرين منهم إلى ممارسة مهنتهم كعمل تطوعي أو التخلي عنها كليًا، رغم أن خبرتهم الميدانية بمناطق نزاع وأزمات تمثل موردًا نادرًا يمكن أن يفيد الصحافة الأوروبية إن أُحسن استثماره.




المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/97677291/journalist...



Rss
Twitter
Newsletter