تحتضن مدينة مكناس فعاليات الدورة السادسة من مهرجان «عيساوة.. مقامات وإيقاعات عالمية»، خلال الفترة الممتدة من 22 إلى 25 يوليوز 2026، ببرنامج فني متنوع يحتفي بالموروث الصوفي المغربي وانفتاحه على مختلف التعبيرات الموسيقية.
المعطيات التي كشف عنها المنظمون تفيد بمشاركة أكثر من خمس وثلاثين طائفة عيساوية، تمثل عددا واسعا من المدن المغربية، من مكناس وفاس وتازة وسلا والرباط وغيرها، إلى جانب فنانين مغاربة وضيوف دوليين، في عروض موزعة بين المنصة الدولية بساحة الهديم التاريخية والمنصة المائية بفضاء صهريج السواني الأثري. هذا الانتشار الجغرافي يعكس حجم الشبكة العيساوية في المغرب، وقدرتها على تجديد حضورها في الفضاء العمومي عبر قالب مهرجاني يجمع بين الحضور الميداني والرهان السياحي والثقافي، في مدينة تحمل رمزية خاصة في تاريخ الطرق الصوفية المغربية.
تنطلق فعاليات الدورة بحفل افتتاح يوم 22 يوليوز يقوده المايسترو أمين بودشار، الذي يقدم عرضا تفاعليا بمشاركة الجمهور في ساحة الهديم، في صيغة أقرب إلى تجربة جماعية يؤطرها عمل موسيقي مضبوط أكثر مما هي مجرد سهرة افتتاحية تقليدية. البرنامج الافتتاحي يتضمن أيضا أمسية روحانية تجمع بين «حضرة المغرب الكبير» و«حضرة سوسة الدولية لتراث المالوف» القادمة من تونس بقيادة محمد علي الجلالي، إضافة إلى «الحضرة الريانية» للفن الصوفي بقيادة إسماعيل بوجيا، في تركيبة تعطي للمهرجان بعدا مغاربيا واضحا، يربط بين عيساوية المغرب وتقاليد المالوف والإنشاد الصوفي في الفضاء الشمال إفريقي.
الافتتاح مخصص كذلك لحفل عيساوي جماعي كبير بمشاركة عدد من الطوائف، بينها «الطائفة العيساوية للتراث الشفهي» بمكناس برئاسة المقدم عمر الطاهر، و«الطائفة الموحدية» من الرباط، وغيرها من التشكيلات التي تعتمد على نقل الذخيرة الشفوية للأذكار والأمداح ضمن بنية طقوسية مضبوطة. هذا التمركز حول التراث الشفهي ينسجم مع توجه أوسع لدى الفاعلين الثقافيين في المغرب لحماية الموروث اللامادي، في امتداد لمسار انخرطت فيه مؤسسات رسمية عبر ملفات تسجيل عدد من الفنون والتقاليد في قوائم التراث العالمية، وإن كان المهرجان هنا يتحرك أساسا ضمن منطق محلي تنظيمي تقوده جمعيات ومكونات من داخل الحقل العيساوي نفسه.
في اليوم الثاني، الموافق لـ23 يوليوز، ينتقل البرنامج نحو مزيج أوضح بين الإنشاد الروحي والأغنية المغربية الحديثة، عبر أمسيات يحييها الفنان مروان حجي إلى جانب يوسف بنحجو وهاجر عدنان وابتسام تسكت وزكرياء الغفولي، إضافة إلى «جوق الأصالة لفن الملحون» بمكناس برئاسة رشيد لحكيم بمشاركة عدد من الأسماء المتخصصة في هذا الفن. في اليوم ذاته، تحضر «الطائفة العيساوية الإسماعيلية» برئاسة عثمان بنمومن، و«الطائفة العيساوية» برئاسة أشرف أولاد الزين من فاس، ما يكرس فكرة برمجة متوازية تتيح للجمهور الانتقال بين أشكال تعبيرية متجاورة: الملحون، الإنشاد العيساوي، والأغنية الحديثة التي تحاول استثمار قاموس روحي أو تراثي في بعض أعمالها.
البرنامج المعلن ليوم 24 يوليوز يواصل هذا البناء التدريجي عبر عروض للطائفة العيساوية الفاسية برئاسة الحاج سعيد برادة، والطائفة العيساوية التازية برئاسة عثمان حدو التوزاني، في تركيز على مدارس عيساوية تحمل بصمات محلية مميزة في الإيقاع والأداء. السهرة المسائية تحييها الفنانة سلمى الشنواني، فيما تستضيف المنصة المائية الفنانة عزيزة المكناسية، في توزيع يربط بين الفضاء التاريخي لساحة الهديم والبعد السياحي لصهريج السواني، حيث تُستثمر جغرافية المدينة لتقديم تجربة سمعية وبصرية تنقل صورة مكناس كمدينة روحية وصوتية في آن واحد.
اليوم الأخير، الموافق لـ25 يوليوز، مخصص لختام يتركز على الجمع بين «طائفة أولاد الشرفة للفن العيساوي الأصيل» بمكناس برئاسة جمال البكري، و«الطائفة العيساوية السلاوية» برئاسة ياسر الشرقي، إلى جانب سهرتين فنيتين يحييهما الفنان زهير بهاوي ومجموعة H-Kayen. هذا الختام يجمع بين الأداء العيساوي الأصيل والأغنية المغربية الأكثر انتشارا لدى الفئات الشابة، في محاولة واضحة لتوسيع قاعدة المتابعة دون التخلي عن جوهر المهرجان، أي حضور الطقوس والإنشاد العيساوي في قلب البرمجة.
من الناحية العملية، يقدم هذا المهرجان نموذجا لتعامل المدن التاريخية المغربية مع تراثها الصوفي كرافعة للتموقع الثقافي والسياحي، في مسار يتقاطع مع دينامية أوسع يشهدها الحقل الفني من خلال تعدد المهرجانات الروحية والموسيقية في مدن مثل فاس ومراكش وشفشاون وغيرها. كما يفتح أسئلة بحثية ميدانية حول كيفية إعادة صياغة العلاقة بين الطوائف العيساوية المحلية والبرمجة الاحترافية، وحول أثر التداخل بين الأداء الطقوسي والأغنية التجارية على تلقي الجمهور لمعاني الذكر والإنشاد داخل فضاء مهرجاني مكثف.
المصدر : https://anfas.soubha.com/mkalat/i/97328392/meknes-...

تراجع الثقة في الصحافة: لماذا يتسع الشرخ بين الجمهور والإعلام؟
