يفتح ترشح الرئيس السنغالي السابق ماكي سال لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة مرحلة حساسة في علاقة القارة الأفريقية بهذه المؤسسة. يتداخل الطموح الفردي مع تعقيدات ميزان القوى الدولي وأعراف التمثيل الجغرافي داخل المنظمة. فقد أعلن سال رسميا، في 2 مارس 2026، دخوله سباق خلافة البرتغالي أنطونيو غوتيريش. مستندا إلى تطمينات غير معلنة بأن أيا من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن لا يعتزم استخدام حق النقض ضده. وهو ما يعد شرطا أوليا لا غنى عنه قبل أي حسابات تتعلق بتصويت الأعضاء غير الدائمين أو مصادقة الجمعية العامة. في خلفية هذا القرار، تبدو رغبة الرئيس السابق في تحويل رصيده الدبلوماسي، المتراكم خلال اثني عشر عاما في الحكم، إلى موقع رمزي هو الأعلى في الهرم الأممي. مع وعد معلن بإعادة تنشيط التعددية وتوسيع هامش حضور الجنوب العالمي في صناعة القرار الدولي.
تأتي خصوصية هذه الخطوة من كونها أول ترشح في تاريخ المنظمة لا يحمل الختم الرسمي لدولة المرشح. بعد أن عجز ماكي سال عن الحصول على تزكية خلفه في الرئاسة باسيرو ديوماي فاي، في ظل قطيعة عميقة مع تحالف «باستف» الذي صعد إلى السلطة على أنقاض معسكره. هذا الفراغ الوطني فتح المجال أمام مبادرة بوروندية؛ إذ بادر الرئيس إيفاريست ندايشيميي، بصفته رئيسا دوريا للاتحاد الأفريقي، إلى إيداع اسم سال لدى الأمم المتحدة باسم بلاده. دون أن يكون الملف قد خضع لمشاورات منظمة داخل هياكل الاتحاد خلال قمته الأخيرة. الأمر الذي أثار تحفظ عدد من العواصم الأفريقية التي رأت في المسار المعتمد التفافا على مسطرة الترشيحات الدولية المتعارف عليها داخل المنظمة القارية.
تجلّى هذا الالتباس المؤسسي في الرسالة التي بعث بها مندوب بوروندي لدى الأمم المتحدة زيفيرين مانيـراتانغا. في الرسالة، قدّم ماكي سال بوصفه مرشح «الحكومة التي تتولى حاليا رئاسة الاتحاد الأفريقي»، في حين لم تكن أجهزة الاتحاد قد صادقت بعد على أي قرار يمنحه دعما رسميا باسم القارة. أمام هذا الوضع، فعّلت مفوضية الاتحاد ما يعرف بإجراء «الصمت» عبر تعميم مشروع قرار على الدول الأعضاء يزكي ترشح سال باسم الاتحاد. على أن يعتبر النص معتمدا إذا لم يعترض عليه أكثر من ثلث الأعضاء قبل الموعد المحدد لنهاية يوم 27 مارس 2026. بما يجعل الدعم الأفريقي رهنا بغياب اعتراضات كتلة حرجة وليس بتصويت إيجابي.
في الضفة الأخرى من المعادلة، تتقدم مجموعة من الأسماء القادمة من أميركا اللاتينية، التي تعد في نظر كثير من الدبلوماسيين المنطقة الأوفر حظا لنيل المنصب في 2026، بالنظر إلى أعراف التدوير الجغرافي غير المكتوبة. في هذا السياق، يبرز الأرجنتيني رافاييل ماريانو غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والشيليّة ميشيل باشليه، الرئيسة السابقة لبلادها والمفوضة السامية السابقة لحقوق الإنسان، إلى جانب الكوستاريكية ريبيكا غرينسبان، الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، والأرجنتينية فيرجينيا غامبا التي رشحتها المالديف. هذه السير المهنية المتجذرة في المنظومة الأممية، والمصحوبة بدعم رسمي من عدة حكومات في المنطقة، تمنح المرشحين اللاتينيين صورة تتناسب مع التصور الذي تضعه بعض العواصم الكبرى للأمين العام المقبل: شخصية نسائية أو لاتينية، متمرّسة في العمل متعدد الأطراف، وبعيدة عن الاستقطابات الحادة في النزاعات الكبرى.
في المقابل، تواجه حظوظ ماكي سال عوائق بنيوية ترتبط، أولا، بسجل التمثيل الجغرافي داخل الأمم المتحدة. إذ سبق للقارة الأفريقية أن شغلت المنصب ثلاث ولايات متتالية بين 1992 و2006 عبر بطرس بطرس غالي وكوفي عنان. ما يدفع كثيرين إلى اعتبار أن «الدور» القاري مرجّح هذه المرة لأوروبا الشرقية أو أميركا اللاتينية. كما أن هوية المرشح الأفريقي، بوصفه مسلما من غرب القارة، تطرح تساؤلات لدى بعض وزراء الخارجية في أفريقيا حول مدى استعداد الإدارة الأميركية الحالية، في عهد الرئيس دونالد ترامب، لتزكية خيار من هذا النوع. خاصة في ظل وجود منافس مثل غروسي، الذي راكم علاقات عمل متوازنة مع واشنطن وبكين وموسكو من خلال موقعه في الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
تثقل هذا المسار كذلك ملفات داخلية لم تُطو بعد في الذاكرة السياسية السنغالية. من بينها حصيلة المواجهات التي رافقت الاحتجاجات العنيفة في 2021 و2023 أثناء النزاع القضائي مع المعارض آنذاك عثمان سونكو، والتي خلفت عشرات القتلى، إضافة إلى ما عُرف بفضيحة «الدين الخفي» التي أدت، بعد مغادرة سال السلطة، إلى تعليق مفاجئ لجزء من تمويلات صندوق النقد الدولي الموجهة لبلاده. وقد استندت أطراف معارضة ومدنية إلى هذه الوقائع للتشكيك في أهلية الرئيس السابق لقيادة منظمة تضع حقوق الإنسان والحكامة الرشيدة في صلب خطاباتها، موجهة رسائل وعرائض إلى شركاء دوليين وإلى بعض أجهزة الأمم المتحدة للتذكير بهذا الإرث.
مع ذلك، لا يمكن إغفال أن ماكي سال راكم خلال ولايتيه شبكة علاقات واسعة في الدوائر الدبلوماسية. تجلت في مبادرات وساطة مرتبطة بالحرب في أوكرانيا وملف صادرات الحبوب، وفي حضوره المتكرر في قمم مجموعة العشرين والمنتديات الاقتصادية العالمية. ما أتاح له هامشا للتواصل المباشر مع قادة من الشمال والجنوب على حد سواء. كما أن استقراره بعد مغادرته الحكم في المغرب، واستمراره على رأس حزب «التحالف من أجل الجمهورية» وقيادته لتحالف انتخابي في تشريعيات 2024، منحه موقع فاعل سياسي لا يزال قادرا على تعبئة جزء من النخبة السنغالية والإفريقية لصالح مشروع ترشحه.
في وثيقة الرؤية التي عممها على الدول الأعضاء، يقدّم سال برنامجه حول ثلاثة محاور مركزية هي بلورة مقاربة مندمجة للسلام والأمن والتنمية والازدهار المشترك، وإعادة إحياء التعددية عبر إصلاح آلياتها، وتعزيز حوكمة الأمم المتحدة بما في ذلك إصلاح مجلس الأمن وتوسيع تمثيل الجنوب العالمي داخله. غير أن تحويل هذه الشعارات إلى مسار سياسي واقعي يمر، أولا، عبر تثبيت دعم أفريقي واضح يتجاوز الغطاء الإجرائي لآلية «الصمت» نحو تزكية سياسية معلنة، وثانيا، عبر إقناع القوى الكبرى بأن اختيار شخصية أفريقية للمرة الرابعة خلال أقل من أربعة عقود لا يتعارض مع منطق التدوير الجغرافي، في مواجهة منافسين يمتلكون دعما إقليميا منظما ورؤية تحظى بقبول مبكر لدى شرائح من الدبلوماسية الدولية.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/bulletin/i/95650349/mghamr...

التصوف في المغرب — من الزهد إلى الطرق والزوايا
