المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

مراكش والعالم القروي: علاقة معقدة نسجتها الصناعة التقليدية عبر القرون


الاربعاء 16 سبتمبر 2026 à 13:14 |




يشكّل الثنائي «الحرفة – المدينة العتيقة» أحد أبرز الخصائص المميزة للمدن الإمبراطورية المغربية، وعلى رأسها مراكش. فرغم الصورة السياحية النمطية التي تختزل المدينة القديمة في مسجد كبير وأسواق وحمّامات وأسوار، تكشف دراسة ميدانية معمقة أنجزها الباحث الجغرافي محمد بلحسن لكديم السوسي أنّ نبض المدينة العتيقة الحقيقي يكمن في علاقتها العضوية بعالمها القروي المحيط، علاقة ذات اتجاهين تتجدد باستمرار عبر شبكة الصناعة التقليدية. فالمدينة العتيقة ليست مجرد فضاء أثري ساكن، بل مجال اقتصادي واجتماعي حيّ تتقاطع فيه آلاف الورشات والأسواق مع تدفقات بشرية ومادية قادمة من البادية ومتجهة إليها.



أولاً: المدينة العتيقة، ملجأ الحرفيين القرويين

تأسست مراكش على يد يوسف بن تاشفين، السلطان المرابطي، على أرض كانت أرضاً محايدة بين قبائل البربر الجنوبية، فتحوّلت منذ نشأتها إلى مركز استقبال للحرفيين من مختلف الجهات ونقطة تلاقٍ لتقنيات ومدارس حرفية بربرية وعربية وأندلسية.

وقد حافظت المدينة على طابعها الكوني عبر حرفها وسكانها وأوليائها الصالحين، رغم تقلبات التاريخ. وتشهد توبونيميا الأزقة المسدودة (الدروب) على هذا الاستقبال: إذ تحمل نحو 45 زقاقاً أسماء قبائل أو مناطق من الجنوب المغربي، أغلبها في جنوب المدينة العتيقة.

كما يتوزع الحرفيون القرويون حسب تخصصات دقيقة موروثة عن مناطقهم الأصلية: فتانة جلود النعال من اختصاص بربر الأطلس الصغير (إيدا وزطوط)، وتانة البشمق من أبناء تافيلالت، فيما يحتكر حرفيو الشمال المغربي تانة البطانة والجلود الرقيقة.


وقد كان هذا الاستقبال، حتى مطلع القرن العشرين، مقتصراً نسبياً على من قطعوا صلتهم بقبائلهم أو ضاقت بهم أراضي الفلاحة المستقرة في الأطلس الصغير والواحات ودير الأطلس.

غير أن انفراط عقد البادية المغربية وتفكك القبائل شبه الرحل في جنوب واد أم الربيع فتحا الباب أمام تدفق أوسع من الأيدي العاملة القروية، التي وجدت في الفنادق والأحياء الحرفية بالمدينة العتيقة ملاذاً وعملاً، وتجمعت غالباً في أحياء أو دروب تحمل أسماء مناطقها أو قبائلها الأصلية (درب سوس، درب تودغة، درب الرحامنة...).

وتمر رحلة الاستقرار النهائي بمراحل متدرجة: هجرة موسمية، ثم مؤقتة تقتصر على مرة أو مرتين في السنة نظراً لبُعد المسافة وصعوبة النقل، قبل أن تفضي إلى الاستقرار الدائم حين ينقطع الرابط العاطفي بالبادية، سواء بوفاة الوالدين أو بالزواج من مدينية أو بإلحاق الأبناء بالمدارس الثانوية.

ويسلك المهاجر الجديد بعدها مساراً سكنياً تصاعدياً من الفندق أو «الدوار الفطري» إلى الدويرية، فالكراء، فامتلاك مسكن عبر صيغة «الرهن» التقليدية، مستعيناً بمدخراته وبعائدات بيع ما تبقى له من أملاك بالبادية.


ثانياً: مراكش، سوق ضخم للمواد الأولية القروية تستقطب المدينة العتيقة سنوياً كميات هائلة من المواد الأولية الفلاحية والحيوانية القادمة من الحوز ومناطق أبعد، عبر شبكة أسواق متخصصة:

  • فسوق القصابين يستقبل أغلب إنتاج القصب من الحوز وبلاد الرحامنة لتغذية صناعة الحصير والقفف؛
  • وسوق الغاسول هو المنبع الوحيد لحبال «الشريط» المضفورة من الدوم التي ينسجها فلاحو مسيوة شتاءً؛
  • بينما تبيع منطقة فحل السمار الجنك القادم من الحوز وتادلة والغرب، والقنّب الذي ما زال فلاحو سوس والأطلس يقايضون به.

أما أسواق وفنادق باب فتوح، وفي مقدمتها سوق الجلد، فتستوعب أكثر من أربعة آلاف جلدة يومياً من الأغنام والماعز، تُوزَّع بين الدباغين التقليديين وبين الجملة الذين يوردون الأصواف والأوبار إلى مصانع الدار البيضاء.

ولا تقل صناعة الخشب أهمية، إذ تفد المدينة بأخشاب الغرب والأطلس المتوسط والكبير، مع استيراد خشب الصنوبر من الاتحاد السوفياتي وكندا.

وتظل مادة العفص (غالة الطمريس) القادمة من تافيلالت وتودغة ودرعة، وقشرة الرمان الحامضة (الكشرة) من دمنات، من أهم المواد الدباغية التي يعتمد عليها حرفيو المدينة، رغم ما تعانيه هذه السلسلة من ضغط ديموغرافي وسنوات جفاف متعاقبة أثّرت في وفرتها وأسعارها.



ثالثاً: توزيع المنتجات الحرفية القروية، بين التنافس والتكامل

في الاتجاه المعاكس، تُصرَّف كميات كبيرة من المنتجات الحرفية الجاهزة القادمة من البادية عبر أسواق المدينة، وعلى رأسها سوق جوطية الذي يستقبل أنواع الزرابي من أولاد بنصبا وبلاد الحاحا والحوز الشرقي والأطلسين المتوسط والكبير، إضافة إلى أقمشة الجلاليب الصوفية من الشراردة والجلاليب الفاخرة من بزو الموجهة للبورجوازية المراكشية.

كما تتدفق نحو المدينة كميات متنامية من الأثاث والتحف القديمة القادمة من البادية لتُرمَّم وتُعاد صياغتها على يد فنانين حرفيين قبل بيعها في البازارات.

غير أن هذا التبادل لا يخلو من احتكاك: فحرفيو الدباغة القادمون من آيت عطاب بالأطلس المتوسط يُغرقون سوق الزيواني بالبشمق بأسعار منخفضة تُضيّق هامش ربح دبّاغي المدينة، فيما استقر جزء من صناع الأسلحة التقليدية في أميزميز وتاهناوت، محتفظين بعلاقتهم التوريدية مع فنادق وبازارات مراكش المتخصصة.

هكذا تتجاور المنافسة والتكامل بوصفهما السمتين الأساسيتين لعلاقة المدينة العتيقة بباديتها وبمراكز الجنوب المغربي الصغيرة.


رابعاً: تأثيرات عمرانية واجتماعية متبادلة

خلّف هذا التدفق البشري والمادي المتواصل بصمات عميقة في نسيج المدينة العتيقة نفسها. فالنزوح القروي المتزايد وتضخم أعداد الحرفيين، إلى جانب الطفرة السياحية، أفضيا إلى اكتظاظ سكاني حاد داخل الأسوار وتراجع التوازن العمراني التقليدي، وظهور «أحياء القصب» العشوائية في الفنادق وتوسع مناطق السكن غير اللائق شرق المدينة.

وبروزت في هذا السياق ظاهرة «الأسواق العشوائية»، مثل سوق الخميس الذي ضمّ عشرات الورشات والحرفيين بالقرب من نقطة عبور المسافرين القادمين من البادية، إلى جانب دواوير عشوائية نمت قرب صناع الحبال والآجر شمال المدينة.

وقد رسم هذا العمران التلقائي غير المخطط له خطاً فاصلاً بين شرق الأسواق، معقل النشاط الشعبي التقليدي الذي يقصده القرويون والفلاحون للتزود والعمل والسكن، وغربها حيث يسود العمران المراقَب المخصص للسياح وسكان المدينة «العصريين».

في المقابل، تنعكس هذه العلاقة إيجاباً على البادية: فمداخيل الحرفة توفر للفلاح المهاجر موارد لشراء التبن والعلف وقت الجفاف، وتساهم أحياناً في إعادة استثمار جزء من عائدات الحرفة في شراء أراضٍ أو مضخات وأسمدة، بينما يفضي استقرار المهاجرين نهائياً في المدينة إلى إعادة تشكيل الملكية العقارية بالبادية لفائدة الأعيان المحليين الأكثر يسراً.


خلاصة:

علاقة مركّبة ومتجددة تخلص الدراسة إلى أن مراكش وباديتها تعيشان علاقة معقدة وملتبسة: فوصول الحرفيين القرويين والمواد الأولية والمنتجات الريفية إلى المدينة يُدخل عليها نوعاً من «الترييف»، بينما تُبقي التحولات العقارية الناجمة عن هجرة المرشحين للحرفة نحو المدينة، وصعوبة الحفاظ على الملكيات الفلاحية الصغرى، البادية في وضع تبعية متنامية تجاه المدينة العتيقة.

علاقة كهذه، بحسب الدراسة، تستدعي تفكيراً تخطيطياً «داخلي المنشأ» يأخذ بعين الاعتبار دينامية الحرفيين الصغار وقدرتهم على التكيف، بدل استيراد نماذج تخطيط حضري جاهزة لا تراعي خصوصية المدينة العتيقة وعلاقتها الحيوية بمحيطها القروي.




المصدر : https://mrrakch.articlophile.net/mraksh/i/98044605...



Rss
Twitter
Newsletter