تتناول دراسة منشورة في مجلة «قُدس الدولية للدراسات الإسلامية» أثر منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما يوتيوب، في إعادة تشكيل التصورات العامة للكرامة ضمن السياق الصوفي، عبر تحليل محتوى يقدم العلاج الروحي والخوارق بوصفها ممارسات إسلامية. وتخلص الدراسة إلى أن عدداً من هذه العروض لا ينسجم، وفق إطارها التحليلي، مع مفهوم الكرامة في التصوف، بل يندرج في ما تسميه «الكرامة الزائفة» المرتبطة بالاستعراض العلني، وبناء الشهرة، وتحويل الرموز الدينية إلى أدوات ذات قيمة تجارية.
اعتمد الباحثون، مح. إنعام الزاهدين ومحمد فائق وأحمد أمام عوفي، منهجاً نتنوغرافياً نوعياً لمتابعة 25 مادة مرئية منشورة بين عامي 2019 و2025 على أربع قنوات في يوتيوب: غوس سامسودين، ونينغسيه تينامبي، وأستاذ دانو، وأوجانغ بوستومي. واختيرت المقاطع التي تجاوزت 150 ألف مشاهدة، وركزت بصورة مباشرة على العلاج بواسطة قوى خارقة أو روحية. وشمل التحليل مضمون الفيديوهات، والسرد الشفهي، والصور المصغرة، وتعليقات المتابعين.
واستخدمت الدراسة تحليل الخطاب النقدي، إلى جانب التحليل السيميائي، لرصد كيفية بناء ما تسميه «السلطة الخوارزمية». ويقصد بهذا المفهوم انتقال مصدر التأثير الديني من المؤسسات التعليمية والدينية التقليدية إلى مؤشرات الظهور الرقمي، مثل عدد المشاهدات والمتابعين والإعجابات. وترى الدراسة أن المنصات تمنح صناع المحتوى قدرة على اكتساب ثقة الجمهور من خلال الإتقان البصري والتواصل الرقمي، حتى في غياب التكوين الديني المتخصص الذي ارتبط تاريخياً بالعلماء والكيانات الدينية التقليدية.
وبحسب النتائج، تستخدم القنوات محل الدراسة رموزاً إسلامية متعددة لترسيخ حضورها الديني، منها العباءات والسبحات والعمائم والخواتم والنصوص القرآنية، إلى جانب تلاوة الفاتحة والصلاة على النبي وألفاظ الإيمان. وتفيد الدراسة بأن تكرار هذه العناصر المرئية واللغوية في المقاطع قد يعزز لدى المشاهدين انطباعاً بالشرعية الروحية، خصوصاً عندما يقترن بمشاهد علاجية عاطفية أو بحكايات تعافٍ وشهادات متابعين.
وتشير الدراسة إلى أن قابلية الجمهور لتلقي هذه المضامين تتصل بعوامل عدة، بينها عدم الرضا عن نتائج العلاج الطبي، والكلفة المتصورة للعلاج البديل، والبحث عن حلول سريعة للأمراض المزمنة أو الأزمات النفسية والاجتماعية. كما تلفت إلى دور التعليقات الإيجابية والمشاهدات المرتفعة والمحتوى الرائج في بناء الثقة، رغم أن هذه المؤشرات تعكس التفاعل أكثر مما تثبت صحة الادعاءات العلاجية.
وفي الجانب العملي، رصد الباحثون عروضاً ترتبط بطرد الجن والسحر والعين، أو بعلاج أمراض جسدية ونفسية، أو بمنح إجازات روحية. كما تناولوا تسويق سلع ذات رمزية دينية أو غيبية، مثل الزيوت والسبحات والخواتم والعطور والخناجر التقليدية، مع نسب منافع إليها تشمل الوقاية أو تيسير الرزق أو الحماية أو إزالة الأذى. وتذكر الدراسة أن بعض هذه المنتجات أو الخدمات يقدم ضمن حزم مدفوعة، بما يجعل الرموز والممارسات الدينية جزءاً من نشاط اقتصادي رقمي.
وتفرق الدراسة بين الكرامة والمعجزة والسحر والاستدراج والعلاج الإسلامي المشروع. فالمعجزة، وفق العرض الوارد فيها، ترتبط بالأنبياء وتأكيد رسالتهم، بينما يعد السحر ممارسة بشرية محظورة تقوم على الخداع أو المنفعة الدنيوية. أما العلاج الإسلامي المشروع فيستند إلى القرآن والسنة والمعرفة الطبية المباحة، في حين تعد الكرامة منحة إلهية لأولياء صالحين ملتزمين بالشريعة، غايتها تعميق الإيمان والقرب من الله.
وترى الدراسة أن معيار الكرامة الصوفية لا يقوم على إظهار الظواهر غير المألوفة، بل على الاستقامة والتقوى والالتزام الأخلاقي. ومن هذا المنطلق، تعتبر أن الإعلان العلني عن القدرات الخارقة، واستثمارها في المحتوى المدفوع أو التسويق، وادعاء التواصل مع الملائكة أو الأنبياء أو معرفة الغيب، يتعارض مع التصور الصوفي الذي يعرض الكرامة بوصفها أمراً لا يسعى صاحبه إلى إظهاره أو تحويله إلى مصدر نفوذ ومردود مالي.
وتدعو الدراسة المؤسسات الإسلامية والباحثين والمربين إلى تعزيز محو الأمية الدينية والرقمية، بما يساعد الجمهور على التمييز بين التعاليم الموثوقة والادعاءات غير المتحققة في الفضاء الإلكتروني. كما توصي بتعزيز حضور المرجعيات الدينية المؤهلة على المنصات الرقمية، وتوسيع البحث مستقبلاً ليشمل شبكات اجتماعية أخرى ودراسة استجابات الجمهور وتأثير الخوارزميات في انتشار السلطة الدينية الرقمية.
المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/97951522/...










