المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

لماذا يصيح الديك؟ ساعة بيولوجية تستبق الفجر وتراتبية اجتماعية وصوت يضاهي محرك طائرة


الخميس 29 أكتوبر 2026 à 23:01 |




ارتبط صياح الديك في المخيال الشعبي بطلوع الفجر، حتى غدا منبّهاً طبيعياً لأهل القرى والأرياف. غير أن الديك لا ينتظر الشمس ليُطلق صيحته؛ فقد يصيح في العتمة، أو في عزّ الظهيرة، بل وفي الليل أيضاً، ولأسباب متعددة. فما الذي يقف وراء هذا الصوت المألوف؟ يجيب عن هذا السؤال مقال للكاتبة كريستينا رايت نشره موقع «أنيمال فاكتس»، مستنداً إلى جملة من الدراسات العلمية التي تُظهر أن الصياح وسيلة تواصل حقيقية، لا مجرد إعلان عن قدوم الصباح.

هرمون الذكورة أولاً

الصياح سلوك ذكوري في الأساس، إذ يتأثر بقوة بهرمون التستوستيرون، فيكتسبه الديك تدريجياً مع بلوغه. أما الدجاجات فمستوى هذا الهرمون لديها أدنى بكثير، ولذلك لا تصيح عادةً، إلا في حالات نادرة يطرأ فيها تغيّر على جهازها التناسلي يُخلّ بتوازنها الهرموني المعتاد.



ساعة داخلية تسبق الضوء

يرتبط صياح الفجر ارتباطاً وثيقاً بالساعة البيولوجية للديك، أي بالإيقاع اليومي الذي ينظّم لدى الدجاج، كما لدى كثير من الكائنات، النوم والنشاط والتغذية. وقد بيّنت أبحاث منشورة في مجلة «كارنت بيولوجي» أن الديوك تتوقع قدوم الفجر وتبدأ الصياح قبل أن ترى أول خيوط الضوء، وأنها تحافظ على إيقاع يقارب أربعاً وعشرين ساعة حتى إذا وُضعت في إضاءة خافتة ثابتة، ما يعني أن أجسامها تقيس الوقت ذاتياً ولا تكتفي بالاستجابة لشروق الشمس.

ومع ذلك يظل للضوء دوره، إذ يعيد تعاقب النور والظلام ضبط هذه الساعة الداخلية، ولهذا قد تؤثر الإضاءة الاصطناعية في توقيت نشاط الدجاج وصياح الديكة. فالصياح السابق للفجر حصيلة تفاعل بين توقيت داخلي يُنبئ باقتراب الصباح، وإشارات ضوئية تُبقي هذه الساعة متناغمة مع دورة اليوم. وليست الديكة وحدها في ذلك؛ فقد رصد باحثون كيف اضطربت إيقاعات الطيور البرية خلال كسوف شمسي كلي، فأطلق بعضها أصواتاً تشبه تغريد الفجر بمجرد عودة الضوء.


إعلان عن الحدود وتراتبية في الصياح

يؤدي الصياح أيضاً وظيفة إعلان إقليمي، يُخبر به الديك منافسيه بأنه حاضر وبأن المكان مشغول. وكثيراً ما تتجاوب الديكة المتجاورة فيما بينها، في تبادل صوتي يتيح لها تتبّع أماكن بعضها حتى دون أن ترى بعضها بعضاً. ويرى الباحثون أن هذه الإشارات الصوتية تساعد على رسم حدود النفوذ مع التقليل من الحاجة إلى المواجهة الجسدية المباشرة.

ويرتبط الصياح كذلك بالتسلسل الهرمي داخل القطيع. ففي القطعان الكبيرة أو المخصصة للتكاثر، حيث يُحتفظ عادةً بديك واحد لكل عشر دجاجات تقريباً، تُرسي الديكة فيما بينها نظاماً للأسبقية. وقد أظهرت دراسة أُجريت على مجموعات صغيرة من الديكة أن الديك الأعلى مرتبة هو من يفتتح جوقة ما قبل الفجر في الغالب الأعم، ثم تتبعه البقية وفق ترتيبها التنازلي، فيما تصيح الديكة الأدنى مرتبة بوتيرة أقل خلال تلك الفترة.


صوت يضاهي محرك طائرة

لا يقتصر الصياح على ساعات الصباح؛ فقد يصيح الديك في أوقات لاحقة من النهار ردّاً على ديك آخر، أو تفاعلاً مع ضجيج مفاجئ، أو مع اقتراب مفترس أو إنسان، أو مع أي تغيّر في محيطه. كما يؤثر السن والطبع والظروف الاجتماعية في عدد المرات التي يصيح فيها كل ديك.

وما يبدو لنا نغمة واحدة بسيطة يتطلب في الواقع عضواً صوتياً متخصصاً يسمى «المِصْفار» (السيرينكس)، يقع حيث تتفرع القصبة الهوائية إلى القصبتين، ويتيح للطيور إصدار أصوات بطريقة تختلف عن الكلام البشري. وبفضله تستطيع الديكة التحكم في طبقة صيحاتها وتوقيتها وشدتها، بل إن لكل ديك بصمة صوتية تميّزه عن غيره.

أما قوة الصياح فلافتة: إذ تشير قياسات علمية إلى أنه يبلغ نحو 100 ديسيبل على بعد متر واحد، فيما سجّل الباحثون قرب أذني الديك مستويات تتجاوز 140 ديسيبل، أي ما يعادل تقريباً ضجيج محرك نفاث أثناء الإقلاع. ولحماية سمعه من صوته نفسه، صُمّمت أذن الديك تشريحياً بحيث ينغلق جزء منها حين يصيح.

وخلاصة القول إن ما يسمعه الإنسان صيحة واحدة تتكرر بلا نهاية، يحمل بالنسبة إلى الدجاج معلومات دقيقة عن صاحب الصوت؛ فضجيج المزرعة الذي نألفه هو في حقيقته شكل من أشكال التواصل أكثر تعقيداً مما يبدو.





المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98535028/l...



Rss
Twitter
Newsletter