لم يعد فيلم الرعب، في نظر كثير من النقاد والمشتغلين بالسينما، ذلك "النوع الثانوي" المحصور في الدم المسفوح ولحظات الفزع المفاجئ. فقد خصصت حلقة من برنامج "الهاتف يرن" على إذاعة France Inter نقاشًا موسّعًا لعودة هذا النوع السينمائي بقوة إلى دور العرض، وحاولت الإجابة عن سؤال جوهري: ما الذي يجعل جمهورًا واسعًا يقبل اليوم على مشاهدة الرعب في القاعات المظلمة؟ خلص المتدخلون إلى أن التجربة أعمق من مجرد الإثارة العابرة؛ إنها تجربة جماعية وحسّية "آمنة"، يواجه فيها المتفرج الخوف والعنف والموت دون خطر حقيقي، في مزيج من التطهير النفسي والتجاوز الرمزي يلائم بشكل خاص فضاء القاعة السينمائية.
نوعٌ بات مربحًا بشكل لافت: يستعرض المتحدثون في الحلقة عدة نجاحات تجارية حديثة، أبرزها فيلم "Obsession" الذي أُنجز بميزانية صغيرة جدًا لم تتجاوز 600 ألف دولار، ليتحوّل إلى ظاهرة عالمية حقّقت نحو 1.7 مليون مُشاهد في فرنسا وحدها، وإيرادات عالمية قاربت 500 مليون دولار بحسب ما أورده ضيوف البرنامج.
خروج تدريجي من مرتبة "النوع الفرعي": يلاحظ ضيوف الحلقة أن أفلام الرعب باتت تحظى باعتراف متزايد في المهرجانات الكبرى وحفلات توزيع الجوائز، مستشهدين بأسماء مثل جوليا دوكورنو وكورالي فارجيا، وفيلميهما "Titane" و"The Substance". كما أصبح النوع يستقطب ممثلين مكرّسين، ويكتسب حضورًا ثقافيًا يتجاوز جمهوره التقليدي.
الاستعارة الاجتماعية في قلب رعب اليوم: يرى الناقد مارك غودان أن وحوش الرعب وعنفه غالبًا ما تكون لغة غير مباشرة للحديث عن السلطة الذكورية والرضا الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وعن الشيخوخة والجسد والأزمات والسياسة. ويصف هذا السينما بأنها "سينما المهرّبين"، إذ تُمرّر قضايا جادة عبر العرض والفانتازيا والمبالغة.
الخوف لا يحتاج بالضرورة إلى الدم: تقارن الحلقة بين أفلام صريحة في عنفها الدموي مثل "Terrifier 3"، وأعمال تعتمد أساسًا على الأجواء وما هو خارج الكادر والصوت وحرفية الإخراج، مثل "Shining" و"Massacre à la tronçonneuse". فالفيلم قد يظل مقلقًا لفترة طويلة دون أن يُظهر العنف مباشرة على الشاشة.
تجربة جماعية بامتياز: يشدّد عدد من المتدخلين على أن الرعب يشتغل بشكل مختلف داخل القاعة السينمائية؛ فالضحك العصبي والصراخ وردود فعل الجمهور والتحدي بين الأصدقاء والطقس المراهقاتي كلها عناصر تعزّز الإحساس بالخوف. تتحول القاعة إلى فضاء يتقاسم فيه الجمهور الفزع مع وعيه الكامل بأن كل ما يشاهده مجرد خيال.
حين يصبح المنع عامل جذب: يُستشهد في الحلقة بحالة فيلم "Terrifier 3"، الممنوع عرضه في فرنسا لمن تقل أعمارهم عن 18 عامًا، كمثال على أن المنع نفسه عزّز طابعه التجاوزي وحضوره الإعلامي، خصوصًا لدى المراهقين الباحثين عن "تحدي" حاجز مفروض.
مخرجون جدد من رحم الإنترنت: تلاحظ الحلقة أيضًا بروز جيل من المخرجين القادمين من الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث باتت عوالم مثل "الحكايات الزاحفة" (creepypastas) و"الغرف الخلفية" (backrooms) تمتلك رموزها ومجتمعاتها وخيالها البصري الخاص قبل أن تتحول إلى أفلام. وبالنسبة إلى الموزّعين، يغيّر هذا الأمر منطق الترويج: فمخرج شاب يصل ومعه مجتمع افتراضي وإحالات منتشرة على نطاق واسع ومتابعون، يملك أصلًا جمهورًا قابلًا للتعبئة في القاعات. بهذا المعنى، يبدو الرعب من أكثر المجالات ملاءمة لتحويل ثقافة الإنترنت إلى ظاهرة سينمائية جماهيرية.
التناقض الفرنسي: تكشف الحلقة عن مفارقة لافتة؛ فرنسا تمتلك مخرجين معترفًا بهم وتقليدًا سينمائيًا قويًا في سينما النوع، من موجة ما يُعرف بـ"الرعب الفرنسي" إلى صانعي الأفلام الحاليين، ومع ذلك لا تزال الإنتاجات الفرنسية في هذا المجال تصطدم بصعوبات في الحصول على التمويل وإقناع بعض أصحاب القرار. ويتحدث الضيوف عن فتور مستمر لدى القنوات والجهات الجهوية واللجان والممولين، رغم وجود جمهور ونجاحات نقدية واضحة. وتُذكر أفلام مثل "Vermine" و"Le Règne animal" و"Titane" و"The Substance" كمؤشرات على إمكانات حقيقية، في حين يجسّد المسار الدولي للمخرج سيباستيان فانيسيك، الذي استُقدم لإخراج حلقة من سلسلة "Evil Dead"، اعترافًا متزايدًا بمواهب فرنسية في الخارج.
في نهاية المطاف، تطرح هذه الحلقة سؤالًا يستحق المتابعة: هل أصبحت سينما الرعب اليوم أفضل مرآة لقلقنا المعاصر؟ بين عودتها التجارية القوية، ودورها كفضاء للتطهير والخوف المضبوط، واحتضانها لاستعارات معاصرة تخص الجسد والرضا والهشاشة والعنف والأزمات، يبقى المشهد الفرنسي مثالًا صارخًا على مفارقة موهبة معترف بها وتمويل لا يزال متردّدًا.
المصدر : https://nour.soubha.com/articles/i/97810409/lmatha...










