يقدّم كتاب عالم الأنثروبولوجيا البريطاني روبن دنبار "How Religion Evolved: And Why It Endures" قراءة واسعة لمسار الظاهرة الدينية، ويأتي مقال المراجعة المنشور في موقع "ذي غارديان" ليعرض الخطوط العريضة لهذا المشروع الفكري، مع إبراز نقاط قوته وبعض حدوده المنهجية. يتكئ الكتاب على خبرة دنبار في دراسة التطور البيولوجي والاجتماعي للإنسان، محاولاً تفسير نشوء المعتقدات والطقوس الدينية من زاوية علم الأحياء التطوري وعلم النفس المعرفي وعلم الأعصاب الاجتماعي.
يقترح دنبار، كما ينعكس في المراجعات المتخصصة، أن ما يسميه "الموقف الصوفي" أو الاستعداد الذهني للإحساس بوجود عالم متجاوز، يشكّل نقطة انطلاق بعيدة في مسار تطور الدين داخل النوع البشري. هذا الميل إلى الإيمان بما يتجاوز التجربة الحسية يرتبط، في طرحه، بتعقّد البنية الدماغية لدى الإنسان العاقل مقارنة بأسلافه من فصيلة "الهومو"، مع احتمال وجود بدايات باهتة لهذا الوعي الروحي لدى أنواع أقدم مثل النياندرتال. ويرى دنبار أن هذا الاستعداد العقلي لم يكن كافياً بمفرده لولادة نظم دينية مستقرة، بل كان بحاجة إلى قنوات اجتماعية وطقسية تسمح بتحويل التجربة الفردية الغامضة إلى إطار مشترك قابل للتكرار داخل الجماعة.
تولي المراجعة المنشورة في الصحافة البريطانية اهتماماً خاصاً بالتقسيم الذي يعتمده دنبار بين "أديان الخبرة" لدى مجتمعات الصيد وجمع الثمار، و"الأديان العقائدية" التي تطورت لاحقاً مع قيام المجتمعات الزراعية والدول المعقّدة. أديان الخبرة، في هذا التصور، تعتمد على طقوس جماعية مكثفة، وممارسات شعائرية مباشرة، وتصورات مرنة نسبياً حول العالم الروحي، بينما تميل الأديان العقائدية إلى بناء منظومات لاهوتية وقانونية، وطبقات كهنوتية، ونصوص مرجعية. وتلفت مراجعات أخرى إلى أن هذا التفريق يسمح لدنبار بتتبع انتقال الإنسان من مجموعات صغيرة متماسكة تدار بروابط القرابة إلى مجتمعات واسعة تحتاج إلى أدوات إضافية للحفاظ على التماسك واحتواء التوترات الداخلية.
ينطلق دنبار من أطروحته المعروفة حول "عدد دنبار"، الذي يحدد تقريباً سقف حجم الشبكة الاجتماعية التي يستطيع الفرد الحفاظ فيها على علاقات مباشرة مستقرة، ليبني عليها تفسيراً لوظيفة الدين في توسيع دوائر الانتماء. فمع نمو الجماعات البشرية إلى ما يتجاوز هذا الحد، يصبح من الصعب الاعتماد على الروابط الشخصية وحدها، ويأتي الدين، بحسب هذا الطرح، كآلية لإنتاج هوية مشتركة، ورموز جامعة، وطقوس تخلق شعوراً بالانتماء إلى كيان أكبر. تشير مراجعة منشورة في موقع مسيحي بريطاني إلى أن دنبار يربط بين كثافة المشاركة الشعائرية وبين مستويات أعلى من الثقة والتعاون داخل الجماعات، ما يمنح الأفراد فوائد عملية على مستوى الدعم الاجتماعي والاستقرار النفسي.
تتوسع المعالجة في الكتاب، كما تعكسها المراجعات، لتشمل الأثر الفسيولوجي والنفسي للطقوس الدينية على الجسد والدماغ، مستندة إلى دراسات حول إفراز الإندورفينات ودور الغناء الجماعي والحركة المتزامنة في تعزيز الترابط. وتُعرض نماذج من ممارسات روحانية وشعائرية في مجتمعات متفرقة، من جماعات الصيد القديمة إلى الحركات الدينية الحديثة، لتدعيم الفكرة القائلة إن الدين لم يكن عبئاً تطورياً بل أداة تكيفية ساعدت على بقاء الجماعات البشرية واستمرارها. وترى مراجعة "Church Times" أن هذه الحجة تشكّل قلب المشروع؛ فالدين، في قراءة دنبار، ليس مجرد أوهام جماعية أو مخلفات بدائية، بل جزء من البنية التي سمحت بتشكّل مجتمعات كبيرة نسبياً قادرة على الاستمرار عبر الأجيال.
مع ذلك، لا تغفل المراجعات النقدية الإشارة إلى بعض مواطن التوتر في هذا المنظور التطوري للدين. فالإصرار على تفسير الظاهرة الدينية في ضوء الوظيفة الاجتماعية قد يقلل من وزن الأسئلة المعرفية والوجودية التي تطرحها الأديان على أتباعها، كما يلاحظ بعض النقاد في الصحافة المتخصصة. وتشير مراجعة في موقع "Kirkus" إلى أن الكتاب يميل أحياناً إلى معالجة التقاليد الروحية الكبرى بوصفها حالات تطبيقية لنموذج عام، ما قد يختزل ثراء التجارب الثيولوجية والروحانية لصالح إطار تفسيري شامل. في المقابل، تُسجَّل للكتاب ميزة جمعه بين نتائج أبحاث ميدانية وتجارب معملية ودراسات مقارنة، في محاولة لبناء سردية متماسكة حول تاريخ الدين من الكهوف الأولى إلى الأديان العالمية.
تمنح هذه القراءة، كما تظهر في مراجعات منصات مثل "Goodreads" و"Google Books"، للقارئ المتخصص والعام على السواء فرصة لإعادة التفكير في حضور الدين داخل المجتمعات المعاصرة، ليس بوصفه أثراً من الماضي، بل كعنصر ما زال يؤدي دوراً في تشكيل الهويات وتحديد أنماط الثقة والصراع داخل الفضاء العام. وفي عالم يتجه في بعض مناطقه إلى أشكال متزايدة من العلمنة، يطرح دنبار سؤالاً حول قدرة الدين على الاستمرار، ويرجّح، استناداً إلى بيانات اجتماعية ونفسية، أن البنى الدينية ستبقى بصيغ مختلفة، ما دامت الحاجة البشرية إلى الانتماء والمعنى قائمة. وتؤكد مراجعات أخرى أن هذا الطرح لا يحسم النقاش حول "حقيقة" المعتقدات الدينية، بل يركّز على تفسير الديمومة التاريخية للمؤسسات والطقوس التي تحيط بهذه المعتقدات.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/97241827/how-religio...










