المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

الذكاء الاصطناعي والكتابة المدرسية: ماذا يخسر الطلاب حين يتوقفون عن الكتابة؟


الخميس 27 أغسطس 2026 à 00:34 |




يرى عالم النفس المعرفي رونالد كيلوغ، بعد سنوات من دراسة آليات الكتابة لدى البشر، أن تحرير مقال إقناعي بسيط يستنزف الذهن بقدر ما يستنزف حفر خندق الجسد. فالكتابة الجيدة تتطلب إتقان المفردات والإملاء والقواعد، وتفرض على الكاتب استيعاب موضوعه، وتفحّص ذاكرته العاملة، وتنظيم أفكاره والتخطيط لها. وتبلغ صعوبة كتابة مقال حدا يجعل صاحبه عاجزا عن فعل أي شيء آخر في تلك اللحظة، كما يعرف كل من طلب من شريكه أو ابنه أن يصمت ريثما يُنهي جملة متماسكة. ومع أن قلة من الناس يتطوعون لحفر خندق، يفرض النظام التعليمي الأمريكي على جل الطلاب تعلّم كتابة المقال، رغم أن تحويل كاتب متردد إلى كاتب متحمس يكاد يكون مستحيلا بشهادة كثير من معلمي اللغة.



لا عجب إذن أن يقبل الطلاب بسرعة على أي أداة تعدهم بتخفيف هذا العناء. فبحسب استطلاعات حديثة، بات ما بين ثلثي وتسعة أعشار طلاب الثانويات والجامعات الأمريكية يستعينون بالذكاء الاصطناعي في واجباتهم الدراسية، وغالبا لإنجاز مهام الكتابة تحديدا. انقسم رد فعل الأوساط التربوية حيال هذا الواقع. فطائفة من المعلمين، قلقة من الانتشار الواسع لهذه الأدوات، عادت إلى الكتابة اليدوية والامتحانات الورقية المراقبة داخل القاعات لمنع الطلاب من تفويض مهمة الكتابة للروبوتات. في المقابل، يرى قادة في قطاع التقنية أن رفض الذكاء الاصطناعي في التعليم ضرب من التقصير المهني، مذكّرين بأن الكتابة أصلا هي أكثر استخدامات الذكاء الاصطناعي شيوعا في سوق العمل، وأن النماذج الحوارية باتت تتفوق على أغلب البشر في إنتاج نثر سلس.


غير أن الباحثين المتخصصين في علم الكتابة والإدراك، وهم ليسوا بالضرورة معارضين للتقنية، يشككون في جدوى إقحام الذكاء الاصطناعي في كل مرحلة من مراحل كتابة الطالب، من العصف الذهني إلى التحرير والمراجعة. فالأبحاث تُظهر أن الكتابة التقليدية غير المدعومة بأدوات آلية قيّمة تحديدا بسبب صعوبتها لا رغما عنها، إذ تبني الذاكرة العاملة ومهارات التخطيط التنفيذي والقدرة على التفكير في التفكير ذاته، أي وزن وجهات النظر المختلفة والمراجعة من أجل الوضوح والأسلوب. ويوجز كيلوغ هذه الفكرة بعبارته: "الكتابة تقنية للتفكير". لم تحظ مهارة الكتابة دوما بهذه المكانة. فقبل سبعينيات القرن التاسع عشر، كان الطلاب الأمريكيون يُختبرون شفويا، وكانت مقاعد الجامعات حكرا على النخبة المرشحة لمهن كالوعظ والمحاماة، حيث يسود الخطاب الشفوي. لكن صعود الاقتصاد الحضري الحديث واختراع الآلة الكاتبة أفرزا وظائف تعتمد أكثر على الكتابة، كموظفي المكاتب وكتّاب الإعلانات. ومع اتساع الجامعات وتضخم أحجام الفصول، غدا الاختبار الشفوي مكلفا من حيث الوقت، فتحوّل التعليم نحو الكتابة، وفق ما توثقه اللغوية نعومي بارون في كتابها "من كتب هذا؟". وقد اكتشف المعلمون أنفسهم، بحسب بارون، أن الكتابة ذاتها تعمّق الفهم أكثر من أي وسيلة أخرى.


تؤكد الأبحاث المعرفية أن الكتابة تساعد على استيعاب ما نقرأه، إذ تُجبرنا على اختبار أفكارنا والرد على الحجج المضادة والاستشهاد بالمصادر، بينما تُعدّ المراجعة ممارسة للنقد الذاتي قد تتحول إلى فعل اجتماعي حين تُستقى الملاحظات من الآخرين. ولا يخفى أن للكتابة بعدا تحرريا وعلاجيا أيضا، وهو ما يفسر لجوء المعالجين أحيانا إلى تحبيذ كتابة اليوميات. لكن ليس واضحا ما إذا كانت هذه الفوائد تتحقق كاملة حين تتم الكتابة بمعية الذكاء الاصطناعي. ودراسة صغيرة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا العام الماضي كشفت أن من كتبوا بمساعدة روبوتات حوارية سجّلوا نشاطا دماغيا أقل مقارنة بمن كتبوا بمفردهم، كما واجهوا صعوبة في تذكّر ما كتبوه بالضبط، وشعروا بملكية أضعف تجاه نصوصهم، وهي نتائج تنضم إلى مجموعة متنامية من الأبحاث التي تربط الاستخدام المتكرر للذكاء الاصطناعي بتراجع التفكير النقدي.


ورغم ذلك، تواصل شركات التقنية تسويق مساعدات الكتابة الذكية بقوة للمدارس والطلاب. وتصف جيني ماكسويل، المسؤولة عن قطاع التعليم في شركة "سوبرهيومان" المالكة لتطبيق "غرامرلي" الشهير، هذه المرحلة بأنها لحظة "هدم شامل" لأساليب التعليم والتعلّم، معتبرة أن المعلمين الذين يمتنعون عن استخدام أدوات الكتابة الذكية إنما يوحون لطلابهم بأن ما يتعلمونه بات بلا صلة بسوق الشغل. وتقر ماكسويل، مع ذلك، بأن مهارات كتابية بشرية أساسية تظل ضرورية حتى يميّز الطالب بين اقتراحات الذكاء الاصطناعي الجيدة والرديئة، وتذهب إلى أن الإبداع الكتابي سيستمر لأن الناس سيظلون راغبين في التعبير عن صوتهم الشخصي وأسلوبهم الخاص. وفي هذا السياق، طوّرت شركات كغوغل وأوبن إيه آي نسخا "سقراطية" من روبوتاتها الحوارية، تُسوَّق للمدارس بوصفها مساعدات توجّه الطالب دون أن تنجز عنه المهمة. وحين اختُبرت أداتا "Gemini Guided Learning" من غوغل و"ChatGPT Study Mode" من أوبن إيه آي بطلب كتابي كلاسيكي حول تجربة قراءة طفولية مؤثرة، بدأتا فعلا بطرح أسئلة استكشافية أشبه بجلسة إرشاد نفسي، قبل أن تنتهيا، عند الإلحاح، إلى صياغة فقرات كاملة ومصقولة في ثوانٍ معدودة، رافضتين ظاهريا كتابة المقال كاملا لكن مقدّمتين نماذج جاهزة تُغني عنه عمليا. وأفادت متحدثة باسم غوغل بأن الشركة تعمل على نسخة مدرسية أكثر صرامة من الأداة تمنعها من إنجاز العمل نيابة عن الطالب، فيما وصفت نائبة رئيس قسم التعليم في أوبن إيه آي أداتها بأنها لا تزال تجربة قيد التطور تتشكل بالتغذية الراجعة من المعلمين والطلاب.


ويرى ستيف غراهام، الخبير في الكتابة وعلم النفس التربوي بجامعة أريزونا ستيت، أن الذكاء الاصطناعي مفيد فعلا لذوي الإعاقة وغير الناطقين بالإنجليزية، إذ يصحح القواعد ويقترح تنقيحات، ويتيح تفريغا صوتيا دقيقا لمن يعجزون عن الكتابة يدويا، كما يوفر مساحة خصوصية لا تعرّض المسودة الأولى الهشة لحكم الآخرين، وهو ما يريح كثيرا من الطلاب ذوي المهارات الكتابية الضعيفة. لكنه يحذر في المقابل من أنه لا توجد مرحلة في عملية الكتابة يمكن التنازل عنها للآلة دون ثمن معرفي، ما دام النمو الفكري يحدث في كل خطوة من العصف الذهني إلى صقل المسودة الأخيرة. وقد خلص فريق من خبراء الكتابة، اجتمع العام الماضي في جامعة كاليفورنيا - إرفاين، إلى توصيات للمدارس لا تدعو لرفض الذكاء الاصطناعي، بل لمقاومة إغراء تقليص وقت تعليم الكتابة، وإدماجها عبر مختلف المواد الدراسية، مع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لتوليد مواضيع كتابية محفزة وللحصول على ملاحظات أولية موجّهة بعناية قبل تسليم العمل النهائي. وتبنّت جامعة سيدني الأسترالية سياسة "المسارين": تقييمات حضورية آمنة تحد من استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض المواد، مقابل تقييمات أخرى تفرض توظيفه لإثبات إتقان الطلاب لهذه الأداة الجديدة.


وفي إحدى ثانويات ضواحي نيويورك، طلبت المعلمة جيسيكا بيني من تلاميذها في حصة الكتابة الإبداعية أن يطلبوا من روبوت محادثة كتابة قصيدة، ثم ناقشوا معا مواطن ضعفها قبل تنقيحها. وبعد أن أنهكها ضبط استخدام الذكاء الاصطناعي في الواجبات المنزلية، حوّلت جانبا كبيرا من كتابة المقالات في مادتها المتقدمة إلى العمل داخل الصف بالقلم والورق. ولم يعترض أغلب الطلاب، إذ سبق لكثير منهم أن مرّوا بمرحلة انبهار أولي بالذكاء الاصطناعي قبل أن يعيدوا النظر في علاقتهم به. فإحدى الطالبات، رغم إعجابها بقدرة الأداة على تحليل البيانات في مادة البحث العلمي، أدركت مخاطر الاتكال عليها في تحليل النصوص الأدبية، معتبرة أن التمرين الذهني الحقيقي يكمن في مصارعة النصوص الصعبة بنفسها. وخلصت زميلة أخرى، بعد أن تبينت كيف تُنتج الروبوتات نصوصها، إلى أنها تفتقر إلى أي أصالة حقيقية لأنها لا تعيد سوى صياغة ما هو متاح أصلا على الإنترنت، وهو ما دفعها إلى القناعة بأن قيمتها في سوق العمل مستقبلا ستكمن في أفكارها ومهاراتها الخاصة، لا في ما يمكن لأي آلة إنتاجه. ويظل السؤال الأعمق معلقا: كيف سيعرف الطلاب رأيهم الحقيقي في أي شيء، من رواية كلاسيكية إلى الذكاء الاصطناعي نفسه، إن اعتادوا أن يطلبوا من آلة أن تجيب نيابة عنهم؟ هذا ما يفصّله تحقيق أعدّته الصحفية دانا غولدستاين في صحيفة نيويورك تايمز، والذي استقت منه هذه المادة معطياتها الأساسية.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97812981/a...



Rss
Twitter
Newsletter