المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

لماذا لا تمثّل أزمة سبتة أزمة هجرة بالنسبة لأوروبا؟


الخميس 27 أغسطس 2026 à 17:25 |




في حوار أجرته مجلة "لوغران كونتينان" الفرنسية، اعتبر المؤرخ والباحث في شؤون الهجرة باتريك ڤايل، مؤلف كتاب "عن الهجرة في فرنسا"، أن الصور الصادمة التي غزت الشاشات بعد دخول ما بين 40 و50 ألف مهاجر إلى مدينة سبتة خلال أيام قليلة، ووفاة 19 شخصاً على الأقل، لا تؤكد بأي حال سردية "الغزو البشري" التي روّج لها بعض التيارات السياسية، بل تكشف عن وضع جيوسياسي استثنائي ومحدود جغرافياً.



يوضح ڤايل أن سبتة ومليلية تشكّلان استثناءً جيوسياسياً فريداً من نوعه: جيبان تابعان للاتحاد الأوروبي وفضاء "شنغن" على أرض قارة إفريقيا، وحدودهما مع المغرب تُعدّ حدوداً خارجية للاتحاد. وخلافاً للحدود البحرية التي يسهل ضبطها نسبياً، فإن الحدود البرية تتيح العبور سيراً على الأقدام، وهو ما يجعل هذا الوضع "بنيوياً" ومرشحاً للتكرار بشكل دوري ما دامت إسبانيا محتفظة بهاتين المدينتين، على حد تعبيره. ويضيف أن المغرب يطالب بالسيادة على هذه الأراضي التي كانت جزءاً من محيط استعماري سابق، دون أن يعني ذلك وجود توتر أو مواجهة، إذ تتعاون الرباط ومدريد بشكل فعلي، لكن هذا التعاون لا يكفي لكبح رغبة جزء من الشباب الإفريقي في الهجرة نحو أوروبا.


وحول مقولة "الغزو المهاجر"، يرى الباحث أن ما جرى في سبتة يدحض هذه الفرضية بدل أن يؤكدها: فوصول 40 ألف شخص في يوم واحد لا يقارن بما تسجّله الحدود الأوروبية الخارجية عموماً، إذ رصدت وكالة "فرونتكس" الأوروبية نحو 178 ألف حالة عبور غير نظامي خلال كامل سنة 2025، وهو أدنى مستوى منذ 2021. ويخلص إلى أن الارتفاع المفاجئ في الأرقام لا يعكس سوى تركيبة جغرافية سياسية استثنائية للغاية، في حين أن منظومة ضبط الهجرة الأوروبية، خارج هذا الوضع الخاص، تعمل بشكل لا بأس به.


وينفي ڤايل بشكل قاطع فرضية ربط الأزمة بزيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر في 20 يوليوز، أو باعتبارها شكلاً من "الابتزاز المهاجر" المغربي. ويستدل بأن الأزمة اندلعت خلال يوم عطلة رسمية في المغرب هو عيد العرش، وهو ما يجعل من غير المعقول أن تكون السلطات المغربية قد دبّرت هذا التوقيت أو شجعته. أما من الناحية الاجتماعية، فيشير إلى أن أغلب العابرين مغاربة، وأن كونهم قادرين على تحمل تكاليف السفر وأحياناً المهربين يوحي بأنهم ليسوا من أفقر فئات الشباب المغربي، بل قد يكونون من الشباب الحاصل على شهادات جامعية دون أن يجد فرص عمل.


وفيما يخص الجانب القانوني، يشير ڤايل إلى أن قرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في 8 يوليوز 2026 هو العامل الأهم في تسريع الأحداث، إذ أكد أن القانون لا يسمح بعمليات "الإعادة الفورية" للمهاجرين الذين يحاولون الدخول سباحة إلى سبتة ومليلية، وأن كل حالة يجب أن تُدرس على حدة. هذا القرار، إلى جانب مرسوم التسوية الاستثنائية الذي أطلقته حكومة سانشيز مطلع 2026 والذي قد يستفيد منه نحو 500 ألف مهاجر غير نظامي، شكّل في نظر كثيرين إشارة انتشرت بسرعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي مفادها أن "الوقت مناسب للدخول".


وعن الدور الأمريكي، وبعد أن أشار تقرير للجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي إلى أن سبتة ومليلية "تقعان على أرض مغربية"، ودعم عمل وزير الخارجية بشأن "الوضع المستقبلي لهاتين المدينتين"، يستبعد ڤايل أن يكون المغرب قد استغل هذا الموقف الأمريكي لدعم مطلبه بالسيادة، ويرى في المقابل أن إدارة ترامب هي من تحاول انتهاز اللحظة لزعزعة استقرار إسبانيا. أما تهديد رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بـ"تعليق اتفاق شنغن مع إسبانيا"، فيصفه ڤايل بأنه موقف "عبثي"، إذ إن من دخلوا سبتة مؤخراً لن ينتقلوا فعلياً إلى إسبانيا القارية، بعدما اتفقت الرباط ومدريد على إعادتهم إلى بلدهم، فضلاً عن أن فرنسا أعادت فرض مراقبة حدودها منذ أكثر من عقد.


ويخلص ڤايل إلى أن ما يقع اليوم في سبتة يذكّر أوروبا بمدى اعتمادها البنيوي على دول الجوار المكلّفة بضبط الهجرة، وبما تمنحه هذه الاتفاقيات من أوراق ضغط لتلك الدول، حتى على ملفات أخرى غير الهجرة. لكنه يشدد على أن هذا التعاون، رغم كل الاختلالات الظرفية، لا يزال يعمل حتى الآن، وأن على أوروبا التزام الحذر أمام "أسطورة الغزو البشري" في وقت لا تشهد فيه أي فيضان حقيقي سوى فيضان السياح الذين يستقبَلون بالأحضان في عز الصيف.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97647379/a...



Rss
Twitter
Newsletter