المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

كفى! لنكفّ عن القول بأن كل شيء بخير


الثلاثاء 18 أغسطس 2026 à 01:37 |




ثلاث كلمات تطارد يومنا: "كل شيء بخير". قطارك تأخر مجددًا، طبقك في المطعم وصل مالحًا أكثر من اللازم، ومديرك ألقى عليك مهمة جديدة قبل انتهاء الدوام بقليل، لكن جوابك جاهز دومًا: كل شيء بخير. حتى عندما ينفطر قلبك ويراك أحد الغرباء تبكي بصوت مرتفع ويسألك إن كان بإمكانه المساعدة، يخرج الجواب نفسه من فمك تلقائيًا.



والأصعب من ذلك أن يُطلب منك حقًا أن تصف حالك. إيجار شقتك يثير قلقك، ولا تعرف إن كانت صداقاتك ستستمر، وتشعر أنك تقصّر مع جدّيك، وتخشى على مستقبلك المهني وعلى فريقك الرياضي المهدَّد بالهبوط. منذ شهر كامل لم تتمكن من التخلص من سعال غريب، وأكلت لحمًا بالأمس رغم أنك وعدت نفسك بالتوقف عن ذلك. تتمنى تربية كلب لكن نمط حياتك لا يسمح، ولا تجرؤ حتى على التفكير في فكرة الأطفال. ومع ذلك، ما الذي ينتهي بك الأمر إلى قوله دائمًا؟ أن كل شيء بخير.


إجابة باردة بلا معنى

طبعًا توجد فروق دقيقة في طريقة قولها: قد ترفع نغمتك قليلًا قبل أن تطلق ضحكة خفيفة، أو تترك كلمة "بخير" تمتد كأنها أنغام مهدّئة، كما تهدّئ طفلًا متحمسًا أكثر من اللازم. وقد تقولها بسرعة وبرود، كأنك تهز كتفيك شفهيًا. هذه العبارة تعمل تمامًا بالطريقة التي يعمل بها "How are you? I'm fine" في الإنجليزية: لا أحد ينتظر جوابًا حقيقيًا، وفي النهاية ماذا تعني "أنا بخير" أصلًا؟ إنها، بكل بساطة، الترجمة الأخرى لعبارة "كل شيء بخير".


لكن في الحقيقة، ماذا تعني هذه العبارة على وجه الدقة؟ أنها ليست سيئة، وأن الحياة لم تسحقك، لكنك أيضًا لست في قمة السعادة. "بخير" هي المتوسط، الدرجة التي تمر بصعوبة. ومع ذلك، لو نظرنا إلى حال العالم اليوم، لكان جوابًا أقرب للحقيقة وأقل مجازفة أن نقول إن كل شيء سيئ.


مجتمع يدفن رأسه في الرمال

ثقافة "كل شيء بخير" تشبه دفن الرأس في الرمال، على أمل أن تحل المشكلات نفسها بنفسها. هي عرض من أعراض العجز في زمن يبدو فيه أن كل شيء يسير في الاتجاه الخاطئ، لكننا نفضّل التجمّل وعدم إثقال الآخرين بالحديث عن صعوبات اللحظة. القاعدة الضمنية هي عدم تعطيل سير التفاعل: حتى عندما يدفعك أحدهم في الشارع ثم يعتذر، تجد نفسك مضطرًا تقريبًا للرد بأن كل شيء بخير، وإلا بدوت كشخص مزعج يُعقّد حادثة كانت ستُطوى من تلقاء نفسها.


عبارات لا نتكلم بها كرجال الشرطة

كيف انتشرت هذه العبارة الجاهزة إلى هذا الحد؟ العبارات المُعدَّة سلفًا تُسهّل العلاقات الإنسانية بتقديم أجوبة نموذجية جاهزة، فهي تجعل الحياة المشتركة أسهل، تمامًا كعبارات "شكرًا" و"على الرحب" و"نهارك سعيد". لكن "كل شيء بخير" تؤدي وظيفة أخرى أكثر إشكالية: فهي تمنعنا من التعبير عمّا يشغلنا فعلًا، تمامًا كرجل أمن يقف أمام مكان حادثة ليقول للجميع: تابعوا طريقكم، لا شيء هنا يستحق التوقف عنده.


بسبب هذه الآلية، لا نتواصل فعليًا فيما بيننا، فمشاعرنا لا تجد منفذًا للتعبير عنها، ويتخيّل كل واحد منا أسوأ ما يمكن في الطرف الآخر، ويصبح الوصول إلى راحة بال حقيقية أمرًا بعيد المنال. بهذه الكلمات القليلة، يستحيل أن نتقابل بصدق.


نحو عبارة جديدة

صحيح أن الحقيقة تكون أحيانًا أعقد من أن نجيب عنها بصدق كامل. فكلمة "كل" في عبارة "كل شيء بخير" هي الأصعب على الإطلاق في التفكيك، وربما نفتقر أصلًا إلى الكلمات التي تواجه هذا الركام من المشكلات والمشاعر المتشابكة. ومع ذلك، فإن مواجهة هذا التعقيد ينبغي أن تبدأ من الأشياء الصغيرة، ومحاولة الإجابة بصدق أكبر عندما يسألنا أحد عن حالنا. لن تكون هذه المحاولة سهلة أو مريحة في كل مرة، لكنها فرصة لاختراع طريقة جديدة للرد: لماذا لا نقول، بكلمات قليلة، إن الأمور ليست مثالية تمامًا، لكننا نعمل معًا على إيجاد حل؟


من اليوم، سأمنع نفسي من اللجوء إلى عبارتي القديمة، وسأحاول استخدام جملة جديدة بدلًا منها بقدر ما أستطيع: كل شيء سيكون بخير.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97148625/s...



Rss
Twitter
Newsletter