نادرًا ما ننتبه إلى ذاكرتنا ما دامت تعمل. نتذكّر وجوه من نحبّ، ونعرف طريق العودة إلى البيت، ونستعيد الكلمة المناسبة في اللحظة المناسبة، دون أن نتوقّف لحظة عند هذه المعجزة اليومية الصغيرة. غير أن الذاكرة، كما لاحظ طبيب الأعصاب الراحل أوليفر ساكس، منظومة تشوبها الهشاشة ومواطن الضعف والقصور، لكنها تتمتّع في الوقت نفسه بمرونة وقدرة على الإبداع مدهشتين. وفي هذه المفارقة تحديدًا تكمن مادة كتاب صغير وغريب صدر في ربيع 2015: «كتاب فجوات الذاكرة» (The Book of Memory Gaps) للرسّامة المكسيكية سيسيليا رويث.
قدّمت الكاتبة ماريا بوبوفا هذا الكتاب في قراءة نشرتها على مدوّنة «ذا مارجيناليان»، ووصفته بأنه تأمّل مصوّر في الذاكرة وعيوبها، يجمع بين خفّة الدعابة وعمق الأسى. وتفتتح قراءتها بفكرة للكاتبة الأمريكية سارة مانغوسو مفادها أن أنقى ذاكرة ممكنة قد توجد في دماغ مريض فاقد للذاكرة، لأنه لا يملك أن «يلوّثها» باستعادتها. فكل تذكّر، في هذا المعنى، إعادة كتابة، وهذا «التلوّث» ليس سوى فعل العيش نفسه.
حكايات قصيرة لاضطرابات حقيقية
يتألّف الكتاب من سلسلة من الحكايات القصيرة جدًا، المرفقة برسوم هادئة، تتمحور كل واحدة منها حول شخصية تعاني خللًا بعينه في الذاكرة. والشخصيات متخيَّلة، لكن ما تعيشه مستمدّ من اضطرابات حقيقية درستها رويث في أدبيات الطب النفسي: من «عمى الوجوه»، وهو اضطراب كان أوليفر ساكس نفسه يعاني منه، إلى متلازمة «العالِم المتوحّد» ذات الذاكرة الاستثنائية، و«النسيان الخفيّ» الذي يجعل المرء يظنّ فكرة غيره فكرته، ومرض ألزهايمر، وأشكال مختلفة من فقدان الذاكرة.
فنلتقي بيوتر، صاحب الذاكرة الخارقة الذي يستطيع أن يعيد تغريد طائر سمعه قبل سنوات. وسيمون، القسّ الذي تختلط عليه ذكريات المعترفين بذكرياته، فيتعذّب بخطايا ليست له. ونادية، التي لم ترَ البحر قطّ، لكنها تحمل ذكرى حسّية حيّة عن السباحة في مياهه المالحة. وألكسندر، المؤلف الموسيقي الذي يهوي بفأسه على البيانو ويعتزل التأليف يأسًا من أنه يكتب مرة بعد مرة ألحانًا كتبها غيره من قبل. وبحسب تقديم الناشر، يضمّ الكتاب أيضًا عازف الكمان بافل، الذي ينسى ما عزفه للتوّ فيعيد اللحن نفسه بلا نهاية.
عطور للأحبّة وعودة يومية من البحر
ومن أرقّ هذه الحكايات قصة فيرونيكا، التي تعجز عن تذكّر الوجوه لكنها بارعة في تمييز الروائح، فتتعلّم صناعة العطور وتهدي كلًّا من أحبّتها عطرًا خاصًّا، لتعرف بأنفها أنهم قريبون منها. حيلة صغيرة تختصر قدرة الإنسان على الالتفاف على عجزه بالحب والابتكار.
أما فيكتور، فيصل كل مساء إلى الشاطئ نفسه وهو يظنّ أنه قضى شهورًا في البحر، وتستقبله زوجته رغم أنه غادر في الصباح ذاته. والمؤلم في الحكاية، كما ترويها رويث، أن فرحة الزوجة باللقاء لا يمكن أن تضاهي فرحته هو أبدًا. وهناك ناتاشا، التي تبقى الكلمات دائمًا على طرف لسانها، تشعر في كل مرة أنها على وشك أن تتذكّرها، لكنها لا تأتي، فتقضي أيامها باحثة عن كلماتها الضائعة؛ وهي صورة مكبّرة لتجربة يعرفها كل واحد منّا، وإن كانت عندنا عابرة وعندها دائمة.
بين القتامة والرأفة
تعترف بوبوفا بأن حكايات رويث قاتمة، بل مأساوية أحيانًا، لكن تحتها يسري حنين متعاطف مع أصحاب هذه الحالات التي تشوّه إدراك الواقع وتجعل الحياة اليومية امتحانًا عسيرًا. ولهذا ترى في الكتاب دعوة مزدوجة: أن نقدّر المعجزة العادية للذاكرة السليمة التي اعتدنا أن نعدّها أمرًا مفروغًا منه، وأن نمارس ما تسمّيه «فنّ الخيال الأخلاقي»، أي أن نتعلّم التعاطف مع المعاناة اليومية الخفية لمن يعيشون مع ضعف في الذاكرة.
وتذكّر بوبوفا بأن علم النفس الحديث أظهر أن الإبداع نفسه يقوم على الذاكرة، وأن للذاكرة دورًا محوريًا في تجربتنا مع الضغط النفسي، وأن النوم ضروري لعملها السليم. ومع ذلك تبقى أعطالها المدهشة، والمنهكة أحيانًا، لغزًا محيّرًا. بل إن هذه العيوب نفسها، في استعارة تستلهمها من الشاعر ريلكه، قد تكون الشياطين التي لو طردناها لفرّت معها ملائكة إبداعنا. ولعلّ أبسط مثال على هشاشة هذا الجهاز ما نعيشه كلّنا من شرود عابر، يوم تتبخّر من ذاكرتنا العاملة مهمة كنّا نحملها في أذهاننا قبل لحظات.
بورخيس: نحن ما نتذكّره
لم يأتِ الكتاب من فراغ؛ فقد استلهمت رويث فكرته، بحسب ما روته للصحافة المحلية في بروكلين، من قصة الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس «فونيس صاحب الذاكرة»، عن شاب لا ينسى شيئًا على الإطلاق، فتتحوّل ذاكرته الكاملة إلى لعنة تحرمه من القدرة على التجريد والتفكير. وإلى بورخيس أيضًا يعود ختام الكتاب: مقطع قصير من قصيدته «كامبريدج» (1969)، يرى فيه أن هويتنا ليست سوى ذاكرتنا، بكل ما فيها من تبدّل وتشظٍّ، كأنها متحف متغيّر الأشكال لا يستقرّ على صورة.
وفي هذا الختام يكمن مفتاح الكتاب كلّه: إذا كنّا ذاكرتنا، فإن فجواتها ليست مجرّد أعطال تقنية، بل جزء ممّا نحن عليه. ومن يفقد ذاكرته لا يفقد معلومات فحسب، بل يفقد شيئًا من خيوط حكايته عن نفسه. ولذلك فإن التعاطف مع من تخذلهم ذاكرتهم، من مريض ألزهايمر في بيوتنا إلى الصديق الذي لا يتذكّر وجوهنا، هو في العمق اعتراف بأن هويّة الإنسان أوسع من قدرته على التذكّر، وأن كرامته لا تسقط بسقوط ذكرياته.
عن الكتاب وصاحبته
صدر «كتاب فجوات الذاكرة» في 10 مارس 2015 عن دار «بلو رايدر برس»، التابعة لمجموعة «بنغوين راندوم هاوس»، في نحو أربع وستين صفحة يتعمّد كثير منها البياض، في إشارة بصرية إلى فجوات الذاكرة. وكان الكتاب الأول لمؤلفته سيسيليا رويث، الرسّامة والمصمّمة المولودة في مكسيكو، والحاصلة على ماجستير في الرسم التوضيحي من «مدرسة الفنون البصرية» في نيويورك حيث تقيم. وقد أتبعته لاحقًا بـ«كتاب الميتات الاستثنائية» وبعدد من كتب الأطفال، أوّلها «هدية من الجدّة».
ويبقى الكتاب، رغم صغر حجمه، تذكيرًا بأن ما نعدّه بديهيًا في حياتنا قد يكون لغيرنا معركة يومية صامتة، وأن قليلًا من الخيال كفيل بأن يقرّبنا من تلك المعارك.
اقرأ أيضًا في شبكتنا
- شلل المهام: لماذا نعجز عن البدء بما نريده فعلًا، وكيف نتجاوز ذلك؟ على منصة سكينة.
- ما الذي تعلّمنا إيّاه الألعاب عن الحياة الحقيقية؟ فيلسوف يجيب على منصة سكينة.
- لماذا تلتهم الشاشة شعورنا بمرور الوقت؟ على منصة فِكرة.
المصدر : https://sakina.articlophile.net/blog/i/98553601/ki...










