المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

قبل 60 عاماً: افتتاح محاكمة مختطفي المهدي بن بركة في باريس


السبت 5 سبتمبر 2026 à 14:35 |




كان المهدي بن بركة، في مغرب ما قبل الاستقلال ثم في عهد الملك محمد الخامس ابتداءً من 1956، أحد أبرز الوجوه السياسية واليسارية في البلاد، وأحد القلائل الحاصلين على شهادة البكالوريا آنذاك. بدأ مسيرته في حزب الاستقلال، الذي كان يتجاذبه تياران: تيار تقليدي بقيادة علال الفاسي، وتيار تقدمي كان بن بركة أحد أبرز رموزه إلى جانب مولاي عبدالله إبراهيم.



انزلق بن بركة تدريجياً نحو الاشتراكية الثورية، ونزعة العالم الثالث، والفكر الوحدوي الإفريقي، حتى غدا وجهاً أممياً في نضال التحرر من الاستعمار، ولُقّب بـ"المندوب المتجول للثورة". وكان مستشاراً سياسياً غير رسمي للرئيس الجزائري أحمد بن بلة والرئيس المصري جمال عبد الناصر. باختصار، جسّد بن بركة كل ما كان يمقته الملك الحسن الثاني، ثاني ملوك المغرب المستقل (1961-1999)، في العالم العربي.


سرعان ما انقطعت العلاقة تماماً بين الرجلين. ففي 1963، تعرض الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حزب بن بركة اليساري الذي تأسس سنة 1959، لأول مؤامرة استهدفته، إذ اعتُقل خمسة آلاف من أطره ومناضليه وحوكموا في أجواء تعسفية، بهدف تفكيك الحزب بعد الانتخابات التشريعية لسنة 1963 التي أظهرت زخمه تحت قيادة زعيمه الكاريزمي. لم يكن أمام بن بركة خيار آخر سوى المنفى، وحُكم عليه غيابياً بالإعدام مرتين، سنتي 1960 و1963.


في باريس، لم يتخلَّ بن بركة المُدان والمنبوذ عن معركته الفكرية، بل واصلها في كتابه "الخيار الثوري في المغرب"، الذي صدر في بيروت ثم في باريس وأثار ضجة كبيرة بما تضمنه من نقد لاذع للحكم الحسني. ولم يكن المعارض المغربي يشعر بأمان تام، إذ صرّح لصحيفة الأهرام المصرية في 13 نوفمبر 1965 بأنه يستشعر خطراً محدقاً أكثر من أي وقت مضى. وسرعان ما تسارعت الأحداث لتؤكد حدسه.


في 29 أكتوبر 1965، عند الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً، وبينما كان بن بركة يستعد لدخول أحد المحال المعروفة باسم "دروغستور" في شارع سان جرمان بباريس، اعترضه شرطيان واقتاداه إلى سيارة. لم يكن الأمر مجرد استيقاف روتيني، بل بداية واحدة من أخطر الفضائح السياسية والدبلوماسية في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة، إذ كانت الأجهزة السرية المغربية قد اختطفت للتو، في قلب الدائرة السابعة بباريس، المهدي بن بركة، رمز حركة العالم الثالث وأبرز معارضي النظام الملكي العلوي. وبحسب ما جاء في تقرير نشره موقع جون أفريك، فقد اقتيد بن بركة إلى فيلا في فونتيني لو فيكونت جنوب شرق باريس، مملوكة لقواد معروف يُدعى جورج بوشيزيش، حيث قُتل على يد الجنرال أوفقير، وزير الداخلية المغربي، ومساعده العقيد الدليمي، اللذين كانا قد وصلا إلى باريس عشية الحادثة.


وعلى الرغم من مرور الوقت، ظلت جوانب كثيرة من القضية غامضة، وتباينت الروايات حولها، حتى إن الغموض ازداد كثافة مع مرور العقود. أما ما هو مؤكد، فهو أن العلاقات بين فرنسا والمغرب قُطعت تماماً بعد الحادثة، واستمر الخلاف بين البلدين ثلاث سنوات، إذ ثار الجنرال ديغول على الحسن الثاني ووصفه بأوصاف لاذعة.


وفي الخامس من سبتمبر 1966، أي بعد أقل من عام على اختفاء المعارض، افتُتحت محاكمة مختطفي بن بركة غيابياً أمام محكمة جنايات السين بباريس، في اتهام مباشر لأجهزة الحسن الثاني، فيما اعتبرت الرباط القضية "شأناً فرنسياً داخلياً"، وهو ما لم يمنع باريس من إصدار مذكرتي اعتقال بحق أوفقير والدليمي. ونقلت صحيفة لوموند الفرنسية، في عددها الصادر في 6 سبتمبر 1966، أن قائمة المحلفين ضمّت سبعة عشر رجلاً وسبع نساء، رغم المخاوف من عدم اكتمال النصاب القانوني خلال فترة العطلة الصيفية، وأن القرعة أسفرت عن تعيين تسعة محلفين أساسيين وأربعة احتياطيين برئاسة القاضي جان بيريس.


وبعد سبعة وثلاثين يوماً من الجلسات، طرأ تطور جديد إثر وصول أوفقير والدليمي إلى باريس في 19 أكتوبر، فتقرر تأجيل المحاكمة إلى أبريل 1967، لتنتهي في الخامس من يونيو من العام نفسه بتبرئة الدليمي، والحكم على عنصرين ثانويين فقط، هما لوبيز وسوشون، بالسجن ست وثماني سنوات على التوالي، فيما حُكم على بقية المتهمين - وجميعهم كانوا في المغرب تحت حماية أجهزة الملكية، وأبرزهم الجنرال أوفقير وعميل المخابرات المغربية ميلود التونسي المعروف بـ"الشتوكي"، إضافة إلى بوشيزيش ولوني وباليس ودوبال - بالسجن المؤبد غيابياً، في أحكام شكلية لم تُنفَّذ قط. وقد لقي كثير منهم حتفهم لاحقاً في ظروف عنيفة أو غامضة، وكان آخرهم الدليمي الذي توفي في حادث سير سنة 1983.


وبعد عقد من الزمن، في 1975، تقدمت عائلة بن بركة بشكوى رسمية، وفي 18 ديسمبر من العام نفسه، اغتيل عمر بنجلون، أحد أبرز رموز اليسار المغربي، في الدار البيضاء، في تطور غذّى العداء بين الحسن الثاني والمعسكر التقدمي، الذي ظل يردد على مدى عقود: "بيننا وبين القصر جثة بن بركة". أما اختفاء المعارض المغربي نفسه، فلا يزال إلى اليوم بلا جواب قضائي قاطع.




المصدر : https://lemaroc.articlophile.net/almghrb/i/9792929...



Rss
Twitter
Newsletter