المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

عيساوة وحمادشة: الطقوس الانفعالية ووظيفتها الاجتماعية بالمغرب


الخميس 17 سبتمبر 2026 à 16:08 |




تُعد طريقتا عيساوة وحمادشة من أبرز الطرق الصوفية التي ارتبط حضورها في المغرب بممارسات جماعية ذات طابع إنشادي وحركي وجسدي شديد. وقد تجاوز تأثيرهما المجال التعبدي الضيق ليمتد إلى البنية الاجتماعية وعلاقات التضامن الشعبي، كما وضعهما في تماس دائم مع السلطة المركزية التي سعت إلى احتواء نفوذهما وتوجيهه.



تُنسب الطريقة العيساوية إلى سيدي محمد بن عيسى، المتوفى نحو عامي 1523 و1524، ويقع ضريحه بمدينة مكناس. وتقوم مجالسها على الذكر الجماعي المصحوب بإيقاعات الطبول والدماميج، حيث يتكرر نطق الشهادة في سياق ترتيلي متصاعد. ومع تقدم المجلس، ينتقل بعض المشاركين إلى حركات جسدية تعرف بالإشداب، تقوم على الانحناء والاهتزاز المتسارع للرأس والجزء العلوي من الجسم، وقد تنتهي لدى بعض المريدين إلى فقدان السيطرة الحسية والسقوط أرضاً.


ويرتبط هذا الانتقال إلى الجذبة، في تصور الأتباع، بحلول البركة المنسوبة إلى الشيخ المؤسس في أجساد المريدين. ومن هذه الخلفية تنشأ ممارسات جسدية اعتُبرت دليلاً على الحصانة من الألم والأذى، بينها محاكاة أصوات حيوانات وخروج الرغوة من الفم، وتناول حيوانات أو كائنات توصف بأنها سامة أو منفّرة، مثل الأفاعي والعقارب والديدان والضفادع والعظايا. كما تورد الروايات المرتبطة بهذه الطقوس أفعالاً أخرى، منها ابتلاع الزجاج والإبر وأوراق الصبار الشوكي، ولحس الحديد المسخن بالنار، واستعمال هراوات ثقيلة أو أدوات مغطاة بالمسامير وسياط جلدية.


وفي طقس الانضمام إلى الطريقة، يتلقى المبتدئ ما يعده أتباعها إجازة من المقدم، وتشمل بصقه ثلاث مرات في حلقه، بوصف ذلك وسيلة لنقل البركة والقدرة على احتمال السموم والأشياء الحادة. وإلى جانب هذه المظاهر، يقوم التدين العيساوي على الإكثار من الذكر وتكرار صيغ دعائية محددة آلاف المرات خلال اليوم، بما يجعل التكرار اللفظي والاندماج الجماعي محورين أساسيين في التجربة الروحية للطريقة.


أما حمادشة، فتُنسب إلى سيدي علي بن حمدوش في القرن السادس عشر، وتمركزت بدورها في محيط مكناس. وتشترك مع عيساوة في حضور الإيقاع والحركة والانفعال الجسدي، لكنها اشتهرت خصوصاً بممارسات ضرب الرأس. وتذكر المصادر أن بعض أتباعها كانوا يضربون رؤوسهم بالبلطات، أو يقذفون قذائف مدفعية حديدية في الهواء لتسقط على رؤوس مكشوفة ومجروحة.


واتصل بحمادشة عدد من الجماعات الفرعية التي تنوعت أفعالها الجسدية. فالدغوغيون عُرفوا بضرب الرؤوس بالقذائف والهراوات، بينما مارس الصادقيون ضرب الرؤوس بعضها ببعض أثناء الرقص. ونُسب إلى الرياحيين غرس رؤوس السكاكين والشوك في البطون من دون ظهور نزف، في حين ارتبط الملايانيون بأكل الجمر والفحم المشتعل.


اجتذبت عيساوة أتباعاً من فئات اجتماعية متباينة، شملت الفلاحين والحرفيين، ووصلت إلى شخصيات من البلاط الشريفي مثل السلطان مولاي الحسن وحراس البخارى. كما تمتع أتباعها في مكناس بإعفاءات من الضرائب وأعمال السخرة. وقد أدت هذه الطرق وظيفة اجتماعية تتصل بالتكتل والتعاون، إذ منحت الروابط الجماعية والحرفية غطاءً دينياً، ووفرت للعامة فضاءً للاستغراق الروحي في مواجهة صور القهر والظلم.



وفي الوقت نفسه، أسهمت طقوس البركة وزيارة الأضرحة وتقديس الأولياء في ترسيخ حضور هذه الطرق داخل الوجدان الشعبي. غير أن كثرة الأتباع لم تعنِ بالضرورة امتلاك نفوذ سياسي مستقل، إذ عمل المخزن والسلاطين على الارتباط ببعض الطرق الكبرى واحتوائها، مع إدارة التنافس بينها بما يحد من تحولها إلى قوة سياسية موحدة.




المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/98063298/...



Rss
Twitter
Newsletter