المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

سام ألتمان وطاقة «تدريب الإنسان»: مقارنة بلاغية أم قياس علمي؟


الاحد 4 أكتوبر 2026 à 11:44 |




جاءت تصريحات ألتمان خلال حوار أُجري على هامش قمة الذكاء الاصطناعي في الهند، في فعالية استضافتها صحيفة «إنديان إكسبرس» في فبراير 2026. ونفى في الحوار نفسه أن يستهلك كل طلب إلى «ChatGPT» كميات كبيرة من الماء، معتبراً أن هذا الادعاء لا صلة له بالواقع منذ أن تخلّت مراكز بيانات الشركة عن التبريد التبخيري. لكنه أقرّ بأن القلق من إجمالي استهلاك الطاقة وجيه بالنظر إلى اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي، ودعا إلى التحول سريعاً نحو الطاقة النووية والرياح والشمس.


حجة ألتمان في ثلاث خطوات

  • كلفة الإنسان: تدريب إنسان يستغرق نحو عشرين عاماً من الغذاء والرعاية والتعليم قبل أن يصبح قادراً على الإجابة.
  • كلفة التطور: الذكاء البشري نفسه ثمرة تطور طويل ومعارف تراكمت عبر نحو مئة مليار إنسان عاشوا على الأرض.
  • المقارنة «العادلة»: في رأيه، ينبغي مقارنة الطاقة التي يستهلكها نموذج مدرَّب للإجابة عن سؤال بالطاقة التي يحتاجها إنسان للإجابة عن السؤال نفسه، لا مقارنة كلفة تدريب النموذج بإجابة بشرية واحدة. وعلى هذا المقياس يرجّح أن الذكاء الاصطناعي «لحق» بالإنسان في كفاءة الطاقة.

والتمييز بين مرحلة التدريب ومرحلة الاستدلال، أي الإجابة بعد التدريب، تمييز حقيقي: تدريب النماذج الكبرى يستهلك موارد ضخمة، أما الإجابة النصية القصيرة فكلفتها أقل بكثير لكل طلب.


لماذا تبدو المقارنة قابلة للنقاش؟

المشكلة ليست في فكرة المقارنة نفسها، بل في حدود الحساب التي اختارها ألتمان، وهي حدود تميل لصالح الآلة:

  • من جهة الإنسان يُحتسب كل شيء: التعليم والغذاء والصحة والبنية التحتية، بل الحياة نفسها.
  • من جهة الذكاء الاصطناعي يُستثنى معظم ما سبق الإجابة: التدريب المتكرر والتجارب المهجورة وتصنيع الرقائق وبناء مراكز البيانات والتبريد والشبكات.
  • طبيعة المهمة مختلفة: إنسان يتعلم باستمرار ويدرك ويتحرك ويتفاعل اجتماعياً، في مقابل نموذج ينتج مخرجات ضمن حدود بياناته وسياقه وأدواته.

وحجة «مئة مليار إنسان» هشة بوجه خاص بوصفها مؤشراً للطاقة، فالتطور ليس فاتورة يمكن تحميلها لكل إجابة بشرية معاصرة. ثم إن أغلب ما غذّى النماذج اللغوية من كتب وصحافة وأبحاث وشيفرات وأعمال فنية وحوارات هو في الأصل إنتاج تراكمي للمجتمعات البشرية.


ماذا تقول الأرقام؟

يعمل الدماغ البشري البالغ بنحو 20 واط في المتوسط، وهو رقم متداول على نطاق واسع، ويؤمّن في الوقت نفسه الإدراك والذاكرة والتعلم والحركة وتنظيم وظائف الجسم. لذلك فإن كلفته الإضافية للتفكير في سؤال لبضع ثوانٍ ضئيلة، لأن هذه البنية تعمل أصلاً.

في المقابل، ذكر ألتمان نفسه في تدوينة نشرها في يونيو 2025 أن الطلب الواحد إلى «ChatGPT» يستهلك في المتوسط نحو 0.34 واط-ساعة، وهو رقم سبق إطلاق نموذج «GPT-5» وما تلاه من تحديثات، ويتفاوت بحسب تعقيد الطلب: فالإجابة عن سؤال تختلف عن توليد صورة. وهذا يعادل نحو 1224 جولاً، أي ما يستهلكه دماغ بقدرة 20 واط في قرابة دقيقة واحدة.

غير أن هذا التكافؤ تقريبي جداً، فالدماغ يعمل أصلاً لأغراض متعددة، و«الإجابة» لا تعني النشاط المعرفي نفسه عند الإنسان والآلة. ولذلك فإن القول إن الذكاء الاصطناعي «لحق بالإنسان» في كفاءة الطاقة ادعاء غير مثبت، فهو يتوقف كلياً على المقياس المختار: نوع المهمة، ومدة تفكير الإنسان المحتسبة، والنموذج، والعتاد، ونسبة استغلال الخوادم، والتبريد، ومزيج الكهرباء، وطريقة توزيع كلفة التدريب.


الرهان الحقيقي: الكلفة الإجمالية

حتى لو صارت كلفة الإجابة النصية الواحدة منخفضة، فإن النقاش المناخي يدور أساساً حول المجموع. تستهلك مراكز البيانات عالمياً نحو 415 تيراواط-ساعة من الكهرباء، وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف الرقم تقريباً بحلول 2030 ليبلغ نحو 945 تيراواط-ساعة، على أن يكون الذكاء الاصطناعي المحرك الرئيسي لجانب كبير من هذه الزيادة.

  • تنوّع الاستخدامات: الاستدلال الطويل والوكلاء الآليون وتوليد الصور والفيديو والتدريبات المتكررة تضاعف الكلفة مقارنة بسؤال نصي قصير.
  • أثر الارتداد: كلما صار الذكاء الاصطناعي أرخص وأسرع، أُدمج في منتجات أكثر وطُلب بوتيرة أعلى، فتُبتلع مكاسب الكفاءة لكل طلب.
  • ما وراء الكهرباء: تصنيع الرقائق ومعدات الشبكات وبناء المنشآت، إضافة إلى استهلاك المياه في بعض المواقع، وضغط الشبكات المحلية، ومدى اعتماد الكهرباء على الوقود الأحفوري.

السؤال الذي يستحق أن يُطرح

ألتمان محق في نقطة واحدة على الأقل: مقارنة تدريب نموذج كامل بإجابة بشرية واحدة مقارنة معيبة منهجياً، ولا بد من التمييز بين التدريب والاستدلال. لكن بديله لا يكفي، لأنه يخصم من حساب الذكاء الاصطناعي كلفته الجماعية، من تدريب متكرر ورقائق ومراكز بيانات وأثر الحجم، بينما يحوّل حياة الإنسان وتعليمه وتطوره إلى مجرد «كلفة تدريب».

وبدل أن نسأل أيهما أكثر كفاءة في الإجابة الواحدة، الأجدر أن نسأل: أي نظام يقدّم أي قيمة، وعلى أي نطاق، وبأي كلفة مادية ومناخية واجتماعية؟ وفي هذا السياق، لا يوجد إلزام قانوني على شركات التقنية بالإفصاح عن استهلاكها من الطاقة والمياه، ولذلك يضطر الباحثون إلى تقدير الأرقام باجتهادهم المستقل. ويبقى التحدي الفعلي أن تنشر الشركات بيانات مفصلة وقابلة للتدقيق لكل نموذج وكل نوع استخدام وكل منطقة جغرافية.




المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/98257096/sam-altman...



Rss
Twitter
Newsletter