المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

السينما والكاثوليكية: من المنع الكنسي إلى خطاب الصورة


السبت 3 أكتوبر 2026 à 21:19 |




تكشف دراسة للباحث الفرنسي فيليب مارتان أن علاقة الكاثوليكية بالسينما تشكلت منذ البدايات ضمن مسار متقلب جمع بين الانجذاب إلى قوة الصورة المتحركة والخشية من آثارها الثقافية والأخلاقية. ويبين صاحب الدراسة، المنشورة سنة 2015 في مجلة «تاريخ وعالم وثقافات دينية»، أن هذا التوتر لم يبدأ مع السينما وحدها، بل سبقته اهتمامات كنسية بأشكال العرض البصري التي سبقتها، من المشاهد الضوئية إلى التصوير المجسم في القرن التاسع عشر.



بين الانجذاب والتحفظ

فقد استخدم بعض المبشرين الصور المسقطة على جدران القاعات المعتمة دعما لخطابهم الديني، مستفيدين من أثرها في إثارة الانفعال أو الخوف. كما انتشرت صور مجسمة تتصل بمشاهد الصلب أو بالحشود المتوجهة إلى لورد. غير أن ظهور السينما رافقته مواقف تحفظية واضحة داخل المؤسسة الكنسية. ففي عام 1909 منع الكاردينال ريسبيغي الكهنة من دخول قاعات السينما، ثم شارك كاردينال ليون كويي عام 1911 في تحرك معارض لها. وبعد ذلك بعامين صدر حظر بابوي على العروض داخل الكنائس وعلى المضامين الدينية في الأفلام، فيما أصدرت أسقفية كيبيك عام 1927 قرارا يمنع الكاثوليك من الذهاب إلى السينما يوم الأحد.


السينما تدخل الفضاء الكنسي

لكن هذه القيود لم تمنع انتقال السينما تدريجيا إلى المجال الكنسي. ففي عام 1913 افتتح في الفاتيكان فضاء سينمائي مخصص لرجال الدين، في إشارة إلى صعوبة عزل المؤسسة عن تحول ثقافي متسع. ومع منتصف القرن العشرين، برز الكاهن السولبيسي أميدي أيفر بوصفه من المدافعين عن مقاربة جديدة للسينما، لا تجعلها مجرد أداة دعائية دينية ولا تحصرها في نموذج «السينما الكاثوليكية». وقد دعا إلى استقلال الإبداع السينمائي، معتبرا أن الصورة قادرة على إظهار أبعاد إنسانية وروحية من دون أن تفقد استقلالها الجمالي.


من المنع إلى التقييم والتوصية

ويرصد مارتان انتقال المواقف الكاثوليكية من المنع إلى التقييم والتوصية. ففي عام 1934 أنشئت «المركزية الكاثوليكية للسينما» لتصنيف الأفلام، قبل أن تتحول لاحقا إلى المكتب الكاثوليكي الفرنسي للسينما ثم إلى «مسيحيون-ميديا». وفي عام 1995 أعد الفاتيكان قائمة بالأفلام الكبرى، وضمت أعمالا سبق أن واجهت الرقابة في زمنها، بينها فيلم «التعصب» لديفيد وورك غريفيث وفيلم «آلام جان دارك» لكارل تيودور دراير.


السينما أداة للعمل الرعوي

كما يوضح النص أن السينما أصبحت وسيلة من وسائل العمل الرعوي الحديث. فقد أنشأ قساوسة خلال القرن العشرين نوادي سينمائية، ونشرت دور كاثوليكية مئات الأفلام القصيرة عن التعليم المسيحي والأماكن المقدسة والحج والبعثات التبشيرية. غير أن هذا الاستخدام ظل يواجه ترددا لدى بعض رجال الدين. ويورد مارتان مثال الأب بيشار، الذي واجه صعوبات عام 1948 في فرض بث القداس عبر التلفزيون، قبل أن تقود مبادرته إلى برنامج «يوم الرب».


حين يستحوذ المخرجون على الصورة الدينية

ولا تقتصر الصورة الدينية على الإنتاج الكنسي، إذ سرعان ما استحوذ عليها المنتجون والمخرجون. فمنذ عام 1897 ظهرت أفلام تتناول آلام المسيح، بعد عامين فقط من أول عرض سينمائي. وتمنح الأعمال السينمائية، وفق منظور الدراسة، رؤية جديدة للطقوس والمعتقدات، وتعكس في الوقت نفسه تصورات العصر ومخاوفه وأحلامه. كما تكشف الأفلام عن اليسوعيين، أو أعمال مخرجين مثل جان غريميون وبازوليني، تعدد تمثلات الماضي الديني وحدود الرقابة الكنسية على الإنتاج الفني.


علاقة لا تختزل في القبول أو الرفض

وتخلص الدراسة إلى أن الكاثوليكية والسينما نسجتا علاقة طويلة لا يمكن اختزالها في القبول أو الرفض. فهي علاقة تتداخل فيها الرغبة في استخدام الصورة، والحذر من نفوذها، والإنتاج المؤسسي، والتعبيرات الروحية الفردية لدى المخرجين.




المصدر : https://nour.soubha.com/articles/i/98252670/%D8%A7...



Rss
Twitter
Newsletter