تكشف دراسة أكاديمية حديثة أن الذكاء الاصطناعي التوليدي دخل الممارسات اليومية لصحفيين مغاربة في الصحافة الورقية والرقمية، لكن استعماله ما زال في الغالب فرديا وغير مؤطر داخل المؤسسات الإعلامية. وتعرض الدراسة، التي أنجزها الباحث حاتم بومهاوعد ونشرت في العدد 66 لسنة 2026 من مجلة «دراسات الاتصال»، أن الصحفيين يلجؤون إلى هذه الأدوات لتسريع مهام التحرير والبحث والتلخيص والترجمة والتفريغ، مع استمرار الحذر من أخطاء المحتوى والانحيازات والمعلومات غير الدقيقة.
واعتمدت الدراسة على مقابلات شبه موجهة مع 24 صحفيا مغربيا، أجريت بين فبراير وماي 2025، يعملون في وكالة المغرب العربي للأنباء وموقع هسبريس وصحيفتي البيان وبيان اليوم. وشملت العينة صحفيين ناطقين بالعربية والفرنسية، يعملون في مؤسسات عمومية وخاصة، وفي الصحافة المطبوعة والمنصات الإخبارية، مع اشتراط استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي في ممارساتهم المهنية.
وتفيد نتائج البحث بأن «تشات جي بي تي» كان حاضرا لدى جميع المشاركين، إلى جانب أدوات أخرى مثل جيميني وديب سيك وبيربلكسيتي ودفتر الملاحظات إل إم وديبل وغرامرلي وأوتر إي آي وكانفا إي آي. وتوزعت الاستخدامات بين اقتراح الأفكار، وتلخيص الوثائق، وإعادة الصياغة، والتدقيق اللغوي، والترجمة، وتحويل التسجيلات الصوتية إلى نصوص، وإنتاج مواد بصرية أو صوتية، فضلا عن المساعدة في تحليل المعطيات وتجميع المعلومات.
وترى الدراسة أن هذه الاستخدامات تمنح الصحفيين وقتا إضافيا للانصراف إلى مهام أكثر تعقيدا، مثل التحقيق والتحليل والتحقق من الوقائع. غير أن الباحث يبين أن اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي لا يعني التخلي عن الدور البشري، لأن مخرجات الأدوات التوليدية تحتاج إلى تدقيق وتنسيق ووضع في سياقها قبل نشرها. كما أشار عدد من الصحفيين إلى اعتمادهم على مقارنة الإجابات التي تقدمها عدة أدوات، بدل الاكتفاء بنتيجة واحدة.
لكن الدراسة ترصد محدودية الإدماج المؤسسي لهذه التقنيات في غرف الأخبار. فغالبية من شملتهم المقابلات يستخدمونها بصورة شخصية، ومن دون توجيهات تحريرية أو قواعد مهنية معلنة أو برامج تدريب منتظمة. ويعزو البحث هذا الوضع إلى ضعف النقاش الداخلي حول الذكاء الاصطناعي، والخشية من أن ينظر إلى استعماله باعتباره مؤشرا على نقص الكفاءة، فضلا عن القيود المالية التي تدفع الصحفيين إلى استخدام النسخ المجانية المتاحة للجمهور.
وتتصل هذه النتيجة بما ورد في دراسة للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري سنة 2024، أشارت إليها الورقة، إذ اعتبر 67 في المئة من مهنيي القطاعين السمعي البصري والرقمي أن الاستعداد لمواجهة الذكاء الاصطناعي ضعيف، فيما أفاد 64 في المئة بأن فرقهم لم تتلق تكوينا في استخدام هذه الأدوات. كما تبرز الدراسة أن محدودية الموارد المالية لدى مؤسسات صحفية مغربية تعوق اقتناء حلول متخصصة أو تطوير أنظمة داخلية.
وعلى المستوى الأخلاقي، يضع الصحفيون التحقق في صدارة المخاوف المرتبطة بهذه التقنيات. وتورد الدراسة أن المشاركين نبهوا إلى إمكان إنتاج معلومات خاطئة أو مضللة، وإلى الانحيازات المضمنة في النماذج، وعدم ملاءمة بعض الإجابات للسياق الثقافي والسياسي المغربي. كما تظهر صعوبات خاصة عند استخدام اللغة العربية، سواء بسبب تركيبها اللغوي أو تنوع لهجاتها أو محدودية تمثيل السياقات المحلية في بيانات تدريب النماذج.
وتخلص الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح أداة مساعدة في الممارسة الصحفية المغربية، لا بديلا كاملا عن الصحفي. لكنها تشدد على أن استعماله الحالي يظل محدودا وغير رسمي، وأن حماية الدقة والمصداقية تقتضي رقابة بشرية مستمرة، إلى جانب وضع سياسات تحريرية واضحة وتكوين مهني يساعد غرف الأخبار على استخدام هذه الأدوات ضمن قواعد مهنية وأخلاقية محددة.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/98255496/ai-morocca...










