يفتتح سمراني تحليله بوصف "لحظة غريبة" يعيشها الشرق الأوسط: إيران تهاجم دول الخليج والأردن ومصر، ودونالد ترامب يتوعّد بقصف الجمهورية الإسلامية بشكل "أقوى بكثير" من المرة السابقة، ولا يمر يوم دون أن يهدد مسؤول إسرائيلي أحد جيرانه. ومع ذلك، يرى الكاتب أن كل هذا لم يعد يستحوذ على اهتمام كبير، في مزيج من الإرهاق وفرط المعلومات والملل، وربما أيضًا من الوعي بأن "البركان" سينفجر لا محالة عاجلًا أم آجلًا، وأن كل ما يجري حوله في انتظار ذلك لا يحمل أهمية تُذكر.
ويلاحظ الكاتب أن المنطقة تتحرك، وأن أعداء الأمس يتصالحون، وأن التحالفات تُعاد صياغتها، وأن طرقًا بديلة ترسم ملامحها. لكن كل ذلك، برأيه، سيبقى وزنه محدودًا حين تبدأ "الأمور الجادة". فحتى "الهلال السني" الجديد، وهو التحالف ذو الرمزية القوية بين أنقرة والرياض وإسلام آباد الذي أُبرم في 7 أغسطس بمكة المكرمة، لن يغيّر المعادلة جوهريًا ما دامت المسألة الإيرانية دون حل.
ويعتبر سمراني أن الشرق الأوسط بأكمله معلَّق على هذه المسألة الإيرانية، وأن الحرب الإسرائيلية-الأمريكية لم تحسمها، بل زادتها تعقيدًا. فبعد أن كان السيناريو المطروح هو "إما اتفاق سيئ أو حرب"، بات السيناريو الحالي هو "إما اتفاق سيئ جدًا أو حرب كبيرة جدًا". فالجمهورية الإسلامية تريد تغيير قواعد اللعبة والحصول على مفاتيح الخليج، إذ ترى أن الانتصار لا يمكن أن يكون سياسيًا فقط، وإلا استؤنفت الحرب، بل يجب أن يكون استراتيجيًا أيضًا، ومن هنا إصرارها على السيطرة على مضيق هرمز. ويستبعد الكاتب أن تقبل طهران بأي اتفاق لا يمنحها هذه المكانة، رغم أن منحها إياها سيكون كارثة على بقية دول الخليج وعلى المنطقة، بل وعلى الاقتصاد العالمي.
أما البديل، بحسب الكاتب، فهو خوض حرب أوسع نطاقًا حتى من سابقتها، بكلفة بشرية وسياسية ودبلوماسية واقتصادية أكبر، على أمل أن ينهار النظام الإيراني في النهاية أو مع توفير الوسائل الكفيلة بإسقاطه. لكن دونالد ترامب، بحسب سمراني، لا يريد أيًّا من الخيارين، فيلجأ إلى كسب الوقت، أملًا في أن يرضخ النظام تحت وطأة الحصار وانقساماته الداخلية، بينما يسعى في الوقت نفسه إلى احتواء إيران في أنحاء المنطقة كافة، ويدفع نحو تحالف بين إسرائيل والسعودية ترفضه المملكة حتى الآن.
وكلما ترسّخ "الرمادي" أكثر، بحسب الكاتب، تحوّل إلى عنصر بنيوي في المشهد الإقليمي. فإذا استمرت هذه الحرب منخفضة الحدة لأشهر أو حتى لسنوات، سيكون لها تأثير هائل على المديين المتوسط والبعيد: كل تطور سياسي أو اقتصادي كبير سيبقى مجمّدًا في انتظار حسم الأمور، وسيرتدي كل طرف فاعل "زيّه المؤقت" أكثر فأكثر، إلى أن يصبح دائمًا. فالأمريكي، بحسب توصيف سمراني، هو "الشريف" الذي تتآكل سلطته؛ والإيراني هو "المقاوم" الذي يرفض الانصياع؛ والإسرائيلي أسير حرب لا نهاية لها؛ والعربي متفرج على عاصفة يراها قادمة دون أن يملك القدرة على إيقافها.
ويشير الكاتب إلى أن لبنان وسوريا والعراق وفلسطين اعتادت هذا "انعدام اليقين الدائم" منذ سنوات، متسائلًا عن المدة التي يمكن أن تتحمّلها الملكيات النفطية الخليجية، وهل سيدفعها ذلك إلى القبول بشكل من أشكال الهيمنة الإيرانية، أم على العكس إلى التقارب أكثر مع إسرائيل. ويرى أنه من الصعب تصوّر ما قد يغيّر المعادلة في الأشهر المقبلة، باستثناء انهيار داخلي للنظام الإيراني وهو احتمال ضعيف، أو حرب جديدة واسعة النطاق وهي أيضًا مستبعدة، مضيفًا أن الانتخابات الإسرائيلية ولا انتخابات التجديد النصفي الأمريكية تبدوان قادرتين على تغيير المسار الحالي بشكل جوهري.
أما بالنسبة إلى لبنان تحديدًا، فيرى سمراني أن ذلك يعني بقاء البلاد في هذا الوضع، مع تصعيدات متكررة نسبيًا، لأشهر إضافية. فلن يتغيّر شيء قبل الانتخابات الإسرائيلية، ولن يتغيّر شيء يُذكر على الأرجح بعد الاقتراع أيضًا. فإسرائيل، بحسب الكاتب، لن تقدّم أي تنازل للبنان، الذي لا تعتبره طرفًا موثوقًا رغم مقاربته الدبلوماسية المؤيدة للسلام، ما دام لم يحرّك "الإصبع الصغرى" ضد حزب الله، وهو أمر لن يحصل، بحسب رأيه، طالما تواصل إسرائيل احتلال الأراضي اللبنانية، وللأسباب ذاتها التي سبق شرحها مرارًا. ويخلص إلى أن الوضع مجمّد هنا أيضًا، وأن الورقة الوحيدة الفعلية المتبقية بيد لبنان، وهي الاهتمام الذي يوليه دونالد ترامب، قد تتبدد بسرعة.
ويختم الكاتب بالقول إن "الرمادي" لم يعد مجرد قوس بين حربين، بل قد يتحوّل إلى الحالة الطبيعية الجديدة للمنطقة. وربما لم يعد السؤال المطروح متى سيندلع الحريق المقبل، بل من سيكون قادرًا على الصمود أطول في هذا الانتظار الذي لا نهاية له.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97661099/i...










