لم يكن دلاكروا في الأصل ضمن البعثة، إذ حلّ في اللحظة الأخيرة محل الرسام إيزابيه، غير أن الصدفة وحدها ستكفل له مكانة استثنائية في تاريخ الرومانسية الغربية، ورسماً جديداً للعلاقة بين أوروبا والشرق. أمضى دلاكروا، الذي لم يتجاوز آنذاك الثالثة والثلاثين من عمره، ستة أشهر متنقلاً بين طنجة ومكناس وأنجاديز، ثم توقفاً في قادش وإشبيلية قبل العودة عبر وهران والجزائر. طوال تلك الأشهر، لم يفارق يده قلم الرصاص وعلبة الألوان المائية: سبع كرّاسات رافقته خلال الرحلة، انتقلت بعد وفاته في مزاد أتيليه عام 1864 إلى أماكن شتى؛ ثلاثة منها محفوظة في متحف اللوفر، ورابع في متحف كوندي بشانتيي، فيما عُثر على اثنين آخرين عام 2018، ويقيم السادس في متاحف قطر. كراس شانتيي، موضوع المعرض الرقمي على Google Arts & Culture، يغطي الأشهر الثلاثة الأخيرة من الرحلة ويحتوي على 172 صفحة من الرسوم والملاحظات.
طابع وثائقي اخترق الحدود الاجتماعية
ما ميّز هذه الكرّاسات عن سائر تجارب الفنانين الأوروبيين "الاستشراقيين" هو طابعها الوثائقي الدقيق. فبفضل صداقته مع إبراهيم بنشيمول، الدرّاكمان أو المترجم اليهودي في القنصلية الفرنسية بطنجة، استطاع دلاكروا اختراق دوائر اجتماعية ظلت محجوبة عن معظم الأوروبيين: حضر حفل زفاف يهودياً في الحادي والعشرين من فبراير 1832، وزار عائلات من وجهاء الجالية، ورسم بتأنٍّ واضح نساءً من العائلة نفسها. بفضل بنشيمول، ارتسمت في الكرّاسات شخصيات بعينها، من أبرزها ابنته برسيديا بن شيمول التي يُرجَّح أنها أحد وجوه الفوليو السابع والعشرين، وجميلة بوزاقلو ابنة وجيه طنجاوي زارها دلاكروا يوم الأحد التاسع والعشرين من أبريل، وتركت له رسالة بيدها بالأسبانية الجودية، وهي وثيقة استثنائية لالتقاء الحضارات في لحظة موثّقة.
المرأة اليهودية وحكاية سوليكا
تشغل المرأة اليهودية حيزاً مهيمناً في كرّاسات المغرب بأسرها، وذلك لأسباب فنية وعملية معاً. فقد أعاقت المحاذير الدينية الإسلامية دلاكروا عن رسم النساء المسلمات بحرية مماثلة، بينما أتاحت له مجتمعات اليهود المغاربة نافذة مفتوحة على الحياة اليومية. وقد أبدى اهتماماً فائقاً بالأزياء والمجوهرات والتعقيد الزخرفي لكل قطعة لباس، مدوّناً بدقة الألوان والأقمشة كي لا يُفلت منه أي تفصيل حين يعود إلى أتيليه باريس. في إحدى صفحات الفوليو الثمانين وما يليها، كتب اسم "سُوليكا"، في إشارة واضحة إلى سول هاتشويل، الفتاة اليهودية التي وُلدت في طنجة عام 1817 وأُعدمت في فاس عام 1834 بتهمة الردة المزعومة، قبل أن تغدو رمزاً للشهادة في ذاكرة يهود المغرب. لم يلتقِ دلاكروا بها على الأرجح زمن رحلته، لكن التوثيق يكشف أنه ظل مدركاً لحكايتها بعد عودته، وربما فكّر في إخراجها على قماش لم يكتمل قط.
من رحلة واحدة إلى جدل أكاديمي مستمر
لا تنتهي أهمية الكرّاسات عند حدود التاريخ الفني المحلي. فقد أطلق هذا السفر الواحد ما يزيد على ثمانين لوحة ذات طابع مشرقي، من بينها "عرس يهودي في المغرب" و"نساء الجزائر في شقتهن" المعروضة في اللوفر، وهي من الأعمال الأكثر استشهاداً في الأدبيات ما بعد الكولونيالية. فمنذ صدور كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق"، أصبحت لوحات دلاكروا المشرقية ملفاً نقدياً حياً يمس الرؤية الأوروبية للآخر: هل كان الرسام شاهداً نزيهاً أم امتداداً بصرياً للمشروع الاستعماري الفرنسي؟ يبقى الجواب موضع جدل أكاديمي، إذ يرى فريق أن حضوره في رحلة دبلوماسية هدفت جزئياً إلى احتواء مولاي عبد الرحمن ومنعه من دعم المقاومة الجزائرية يضعه، موضوعياً، في خدمة الخطاب الاستعماري، فيما يلاحظ فريق آخر أن الكرّاسات تفيض بنظرة احترام وانبهار حقيقيَّين، واستعداد نادر لأوروبي في عصره للاندماج مع روح الأماكن والناس بدلاً من نقلهم اختزالياً.
طالما عشت، ستتحرك في ذاكرتي وجوه هذا الشعب الأصيل ومناظر هذه الأرض
هذه الجملة، التي قالها دلاكروا بعد عودته، تلخّص معادلة الأثر الشخصي الذي ظل يمد لوحاته بالمادة الخام حتى وفاته عام 1863.
المصدر : https://lemaroc.articlophile.net/almghrb/i/9718515...










